{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلا تَقُولُوا ثَلاثَةٌ انتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا} [النساء: 171] .
{يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ} صدْر الآية يتعلَّق بفروع الدين [1] ، وهو المعبر عنه في الترجمة بالعلم [2] ، وما بعده يتعلَّق بأصوله [3] ؛"الفتح": 13/ 291.
قوله: {وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ} ؛ أي قوله: كن [4] ؛"الهدي": 190.
وقوله: {وَكَلِمَتُهُ} إشارة إلى أنه حجَّة الله على عباده أبدعه من غير أب، وأنطقه في غير أوانه، وأحيا
(1) في هذا التقييد لصدر الآية بفروع الدين نظر ظاهر؛ إذ هي تنهى عن الغلو في الدين مطلقًا، وذلك يشمل فروع الدين وأصوله، ولعل مِن أعظم الغلو في الأصول حط اليهود من المسيح حتى جعلوه مولودًا لغير رَشَد، وغلو النصارى فيه ورفعه فوق مقداره حتى جعلوه إلهًا - تعالى الله عما يقول الظالمون علوًّا كبيرًا؛ انظر:"جامع البيان"؛ للطبري: 9/ 415 وما بعدها،"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 4/ 316،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 400،"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي: 6/ 21،"تفسير القرآن العظيم"؛ لابن كثير: 1/ 720،"فتح القدير"؛ للشوكاني: 1/ 807،"روح المعاني"؛ للآلوسي: 6/ 24،"الكشاف"؛ للزمخشري: 1/ 584،"تيسير الكريم الرحمن"؛ للسعدي: 179.
(2) أي: قول البخاري"فتح": 13/ 289:"باب ما يكره من التعمُّق والتنازع"، قال ابن حجر في الفتح: 13/ 291:"زاد غير أبي ذر: في العلم"، وانظر نسخ الصحيح المطبوعة مع"شرح الكرماني": 25/ 45، و"عمدة القاري"؛ للعيني: 25/ 37، و"إرشاد الساري"؛ للقسطلاني: 15/ 254؛ إذ (في العلم) مثبتة فيها.
(3) هو ظاهر، وانظر المصادر المذكورة في الهامش: ما قبل السابق، وغيرها من التفاسير.
(4) هذا قول الحسن وقتادة، ونسبه ابن الجوزي في"زاد المسير": 1/ 389 إلى ابن عباس أيضًا، انظر:"جامع البيان"؛ للطبري: 6/ 412 - 413،"تفسير ابن أبي حاتم": 4/ 1123،"النكت والعيون"؛ للماوردي: وهو قول واختيار جماعة منهم: أبو عبيدة في"مجاز القرآن": 1/ 143، وابن عطية في"المحرر الوجيز": 4/ 316، والرازي في"مفاتيح الغيب": 11/ 117، والبغوي في"معالم التنزيل": 2/ 314، والقرطبي في"الجامع لأحكام القرآن": 6/ 22، وابن كثير في"تفسير القرآن العظيم": 1/ 720، والسعدي في"تيسير الكريم الرحمن": 179، وغيرهم، والمعنى أنه ناشئ عن الكلمة التي قال الله تعالى - له بها: (كن) فكان، والعرب تسمِّي الشيء باسم الشيء إذا كان صادرًا عنه، والإضافة إضافة تشْريف وتكْريم بغير خِلاف بين المسلمين، انظر:"الفتاوى"؛ لابن تيمية: 6/ 145،"تفسير السعدي": 179.