فهرس الكتاب

الصفحة 45 من 120

سورة النساء: 31

{إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا} [النساء: 31] .

واستشكل ابن أبي جمرة [1] وقوع التكفير بالمذكورات [2] للوقوع في المحرَّمات والإخلال بالواجب؛ لأن الطاعات لا تسقط ذلك، فإن حمل على الوُقُوع في المكروه والإخلال بالمستحب لم يناسبْ إطلاق التكفير [3] ، والجوابُ: التزام الأول وأن الممتنع من تكفير الحرام والواجب ما كان كبيرة، فهي التي فيها النِّزاع، وأما الصغائر فلا نزاع أنها تُكفَّر [4] ؛ لقوله - تعالى: {إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ} [النساء: 31] ؛"الفتح": 6/ 700. وليس المرادُ أن تكفير الصغائر شرطه اجتناب الكبائر؛ إذ اجتناب الكبائر بمجرده يكفرها كما نطق به القرآن [5] ؛"الفتح": 2/ 33.

(1) هو: أبو محمد عبدالله بن سعد بن نفيل الأزدي الأندلسي المالكي، الشهير بأبي محمد بن أبي جمرة، عالم ناسك، كان قوالًا بالحق، أمارًا بالمعروف، ونهاءً عن المنكر، توفِّي عام: 695 هـ؛ انظر:"البداية والنهاية"؛ لابن كثير: 13/ 346،"الأعلام"؛ للزركلي: 4/ 89.

(2) أي: المذكورات في حديث حذيفة في البخاري؛"فتح": 6/ 698 رقم: 3586 قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( فتنة الرجل في أهله وماله وجاره تكفرها الصلاة والصدقة والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ) ).

(3) انظر استشكال ابن أبي جمرة في كتابه:"بهجة النفوس وتحليلها بمعرفة ما لها وما عليها"1/ 199.

(4) على سبيل القطع للآية، وقد خالف في ذلك جماعة من الأصوليين؛ كالباقلاني، والجُوَيني، وأبي إسحاق الإسفراييني، والذين لا يفرقون بين كبائر الذنوب وصغائرها، ويقولون: الكل كبائر، فقالوا: لا يجب القطع بتكفير شيء من الذنوب، وإنما يحمل ذلك على غلبة الظن وقوة الرجاء والمشيئة ثابتة؛ انظر:"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 4/ 97،"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي: 5/ 158،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 233،"فتح القدير"؛ للشوكاني: 1/ 684، وغيرها.

(5) قال ابن حجر في"الفتح": 2/ 433:"ولا يلزم من ذلك ألا يكفرها إلا اجتناب الكبائر، وإذا لم يكن صغائر تكفي رجي له أن يكفر عنه بمقدار ذلك من الكبائر، وإلا أعطي من الثواب بمقدار ذلك".

والخلاصةُ: أن ابن حجر يرى أن اجتناب الكبائر مكفِّر للصغائر للآية، والطاعات المذكورة مكفرة للصغائر، لما ورد في السنة، وليس مِن شرط تكفير الطاعات المذكورة اجتناب الكبائر، وقد تعقبه في ذلك الشيخ ابن باز في حواشيه على"الفتح": 2/ 433 فقال عند قول ابن حجر:"وليس المراد أن تكفير الصغائر شرطه اجتناب الكبائر"، ما نصه:"هذا فيه نظَر، وظاهر الحديث المذكور أن اجتناب الكبائر شرط لتكفير الصغائر، ويدل عليه ما ثبت في"صحيح مسلم": 1/ 209 رقم: 233 مرفوعًا: (( الصلوات الخمس، والجمعة إلى الجمعة، ورمضان إلى رمضان، مكفرات ما بينهن إذا اجتمعت الكبائر ) )، وقد نصَّ بعض أهل العلم على أن الآية مقيدة، فلا يكفي في تكفير السيئات اجتناب الكبائر فقط، بل لا بد من ضمينة أخرى وهي إقامة الفرائض: انظر:"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي: 5/ 158،"فتح القدير"؛ للشَّوْكاني: 1/ 686، "فتْح البيان"؛ لصديق خان: 3/ 99."

قلتُ: ويمكن القولُ بعدم تقييدها إذا قلنا: إن الكبائر لا تقتصر على فِعل المنهيات فقط؛ كالسحر، وقتْل النفس، والزنا، وشُرْب الخمر، بل ينضاف إليها عدم إقامة الفرائض؛ كترْك الصلاة، والزكاة، وصوم رمضان، وحج البيت لمن استطاع إليه سبيلًا؛ لأن الأمر بالشيء نهي عن ضده، وبالتالي فمَن لم يقم بأداء الفرائض فليس مجتنبًا للكبائر، وبالتالي فلا تكفير حاصل للصغائر، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت