فهرس الكتاب

الصفحة 5 من 120

سورة النساء: 1

{يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا} [النساء: 1] .

وقوله - تعالى: {وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ ... } ، قال ابن عباس: أي: اتقوا الأرحام وصلوها، أخرجه ابن أبي حاتم عنه [1] ، والأرحام جمع: رحم، وذَوو الرحم الأقارب، يطلق على كل من يجمع بينه وبين الآخر نسب [2] ، والقراءة المشهورة: {وَالأَرْحَامَ} نصبًا، وعليها جاء التفسير [3] ، وقرأ حمزة {وَالأَرْحَامِ} بالجر [4] ، واختلف في توجيهه، فقيل: معطوف على الضمير المجرور في {بِهِ} مِن غير إعادة الجار [5] ، وهو جائز عند جمع، ومنعه البصريون [6] [7] ، وقرأها ابن مسعود فيما قيل: بالرفع [8] ،

(1) "تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 854 رقم: 4726، وهو عند ابن جرير في"جامع البيان": 7/ 521 رقم: 8423.

(2) هذا التعريف يقرب من تعريف ابن الأثير في"النهاية": 2/ 210، وانظر:"تاج العروس"؛ للزبيدي: 16/ 276 - 277،"فتح القدير"؛ للشوكاني: 1/ 624،"فتح البيان"؛ لصديق خان: 3/ 11،"روح المعاني"؛ للآلوسي: 4/ 185.

(3) قال الواحدي في"البسيط"- تحقيق المحيميد - 1/ 76:"وقال أكثر المفسرين: معنى (وَالأَرْحَامَ) أي: اتقوا الأرحام أن تقطعوها؛ قاله قتادة، ومجاهد، والسُّدِّي، والضحاك، وابن زيد، والربيع، والفراء، والزجاج، وعلى هذا التفسير انتصب (وَالأَرْحَامَ) ؛ أي: اتقوا الأرحام فصلوها ولا تقطعوها، ويجوز على هذا التفسير أن يكون منصوبًا بالإغراء، أي: والأرحام فاحفظوها وصلوها، كقولك: الأسد الأسد، وهذا التفسير يدل على تحريم قطيعة الرحم، وينبئ بوجوب صلتها"؛ وانظر:"جامع البيان"؛ للطبري: 7/ 520 - 522،"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 854،"معاني القرآن"؛ للفراء: 1/ 252،"معاني القرآن وإعرابه"؛ للزجاج: 2/ 6،"زاد المسير"؛ لابن الجوزي: 2/ 3،"النكت والعيون"؛ للماوردي: 1/ 447،"مفاتيح الغيب"؛ للرازي: 9/ 171،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 157، وغيرها.

(4) انظر القراءتين في:"الغاية"؛ لابن مهران: 132،"النشر في القراءات العشر"؛ لابن الجزري: 2/ 247،"إتحاف فضلاء البشر"؛ للبنا: 1/ 501 - 502،"البدور الزاهرة"؛ للقاضي: 75،"المهذب في القراءات العشر"؛ د. محمد سالم: 1/ 150، وقراءة حمزة هي قراءة ابن عباس، والحسن، وأبي رزين، والنخَعي، ويحمى بن وثاب، وطلحة بن مصرف، وقتادة، والأعمش، ومجاهد، كما أفاده الثعلبي في"الكشف والبيان": 4/ 3 ب، وأبو حيان في"البحر المحيط": 3/ 157، والآلوسي في"روح المعاني": 4/ 184، وابن يعيش في"شرح المفصل": 3/ 78، وابن مالك في"شرح الكافية الشافية": 3/ 1249.

(5) هذا قول، وقيل: إنه ليس معطوفًا على الضمير المجرور، بل الواو للقسم و {وَالأَرْحَام} مقسم به خفض بحرف القسم؛ انظر:"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 4/ 8 - 10،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 157 - 158،"الدر المصون"؛ للسمين: 2/ 297،"إملاء ما من به الرحمن"؛ للعكبري: 1/ 165،"إعراب القرآن"؛ للنحاس: 1/ 431.

(6) ظاهر هذا النص أن غير البصريين لم يمنعوه، وهذا صنيع أبي البركات ابن الأنباري في"الإنصاف في مسائل الخلاف": 2/ 463؛ إذ جعل المسألة خلافية بين أهل البصرة والكوفة وتبعه غيره، وهذا فيه نظر؛ فقد قال النحاس في"إعراب القرآن"1/ 431:"وأما الكوفيون فقالوا: هذا قبيح، ولم يزيدوا على هذا، ولم يذكروا علة قبحه فيما علمته"، وقال الفراء - إمام أهل الكوفة في زمانه بالنحو - في"معاني القرآن"1/ 252:"وفيه قبح؛ لأن العرب لا ترد مخفوضًا على مخفوض وقد كني عنه ... وإنما يجوز هذا في الشعر لضيقه"، وقال الأزهري في"القراءات وعلل النحويين فيها"1/ 137:"وأما خفض الأرحام على قراءة حمزة، فهي ضعيفة عند جميع النحويين غير جائزة إلا في اضطرار الشعر"، وقال الواحدي في"البسيط"- تحقيق المحيميد - 1/ 77:"وضعف النحويون كلهم هذه القراءة واستقبحوها"، وانظر: تعليق د. العثيمين على كتاب"إعراب القراءات السبع وعللها"؛ لابن خالويه: 1/ 128.

(7) قد منع من العطف على الضمير المخفوض بدون إعادة الخافض الجمهور، ومن أولئك: سيبويه في"الكتاب": 2/ 382، والمبرد في"المقتضب": 4/ 152، وانظر:"شرح المفصل"؛ لابن يعيش: 3/ 78، والزجاج في"معاني القرآن وإعرابه": 2/ 6، والطبري في"جامع البيان": 7/ 519 - 523، والفارسي في"الحجة": 3/ 121 - 129، والمهدوي في"شرح الهداية": 2/ 244 والذي قال بعد:"والقراءة جائزة على بعدها"، وابن عطية في"المحرر الوجيز": 4/ 8 - 10، والعكبري في"إملاء ما من به الرحمن": 1/ 165، ومكي في"الكشْف عن وجوه القراءات السبع": 1/ 375، والزمخشري في"الكشاف": 1/ 493، وابن جني في"الخصائص": 1/ 285، والذي قال بأن {وَالأَرْحَام} جرت بباء ثانية حذفت لدلالة الباء الأولى في (بِهِ) عليها، وغيرهم.

وقد أجازه آخرون، منهم: يونس، والأخفش، وقطرب، وأبو علي الشَّلَوْبِين، وابن مالك، والسيوطي، وابن خالويه؛ انظر:"شرح الكافية الشافية"؛ لابن مالك: 3/ 1246 - 1254، وشرح ألفيته لابن عقيل: 2/ 240 - 249، و"همع الهوامع"؛ للسيوطي: 5/ 268، و"شرح المفصل"؛ لابن يعيش: 3/ 78، و"خزانة الأدب"؛ للبغدادي: 2/ 338، و"الإنصاف في مسائل الخلاف"؛ لأبي البركات ابن الأنباري: 2/ 463 - 474، و"إعراب القراءات السبع وعللها"؛ لابن خالويه: 1/ 128 - 129، كما أجازه أيضًا أبو حيان في"البحر المحيط": 3/ 159، والرازي في"مفاتيح الغيب": 9/ 170، وأبو شامة في"إبراز المعاني": 410، وابن هشام في"أوضح المسالك": 3/ 392، والآلوسي في"روح المعاني": 4/ 184، وابن عاشور في"التحرير والتنوير": 4/ 218، ود. محيسن في"المغني في توْجيه القراءات العشر": 1/ 392 - 395، وغيرهم، وانظر ما كتبه د. عضيمة في"دراسات لأسلوب القرآن الكريم": 1/ 3/543 - 547.

وفي ظني أن المشكلة لا تكمن في ترجيح قول نحوي على آخر، فسواء قلنا: إن الأرحام مجرورة بالعطف على الضمير المجرور في (بِهِ) ، أم قلنا: إنها مجرورة بباء ثانية حذفت لدلالة الباء الأولى في (بِهِ) عليها، أم قلنا: إن الواو للقسم والأرحام مجرورة بها، أم قلنا: إن الواو للقسم والأرحام مجرورة بالإضافة، والتقدير (ورب الأرحام) ، كما ذكر ذلك العكبري في"إملاء ما من به الرحمن": 1/ 165، والسمين في"الدر المصون": 2/ 297 - فالخطب في كل ذلك يسير، والأمر سهل؛ إذ لا يعدو أن يكون اجتهادًا أصاب فيه صاحبه أو أخطأ، لكن الخطأ الجسيم أن تُخَطَّأ قراءة قرآنية سبعية، ثابتة عن النبي - صلى الله عليه وسلم - وتوصَفُ بالقبح نتيجة عدم توافقها مع قواعد نحوية، قررها ذلك العالم أو ذاك، وكأن العربية منحصرة فيما يعلمه، وما أجمل مقولة أبي حيان في"البحر المحيط"3/ 159:"ولسنا متعبدين بقول نحاة البصرة ولا غيرهم ممن خالفهم، فكم حكم ثبت بنقل الكوفيين من كلام العرب لم ينقلْه البصريون، وكم حكم ثبت بنقل البصريين لم ينقله الكوفيون"، ولله در الرازي في"مفاتيح الغيب"9/ 170 حين قال بعد أن ذكر أدلة المانعين:"واعلم أن هذه الوجوه ليست وجوهًا قوية في دفع الروايات الواردة في اللغات، وذلك لأن حمزة أحد القراء السبعة، والظاهر أنه لم يأتِ بهذه القراءة من عند نفسه، بل رواها عنْ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وذلك يوجب القطع بصحة هذه اللغة، والقياس يتضاءَل عند السماع، لا سيما بمثل هذه الأقْيسة التي هي أوهى من بيت العنكبوت، والعجب من هؤلاء النحاة أنهم يستحسنون هذه اللغة بهذين البيتين المجهولَيْن، ولا يستحسنون إثباتها بقراءة حمزة ومجاهد، مع أنهما كانا من أكابر علماء السلَف في علم القرآن".

(8) لم أجد من نسب قراءة الرفع إلى ابن مسعود، ووجدتُ السمين في"الدر المصون": 2/ 297، قال:"وقرأ عبدالله أيضًا: {وَالأَرْحَامُ} رفعًا، وهو على الابتداء، والخبر محذوف"، وجميع من نسب هذه القراءة نسبها لعبدالله، لكن ليس ابن مسعود، بل ابن يزيد، ومن أولئك: الثعلبي في"الكشف والبيان": 4/ 3 ب، وابن عطية في"المحرر الوجيز": 4/ 8، وابن جني في"المحتسب": 1/ 179، وأبو حيان في"البحر المحيط": 3/ 157، والعيني في"عمدة القاري": 16/ 66، والشوكاني في"فتح القدير": 1/ 624، ونسبها الآلوسي في"روح المعاني"4/ 185 لابن زيد، ولم أجد من نسبها له غير الآلوسي، ولعل زيدًا تصحفتْ من يزيد، على أن أبا حيان في"البحر المحيط": 3/ 157 قد نسب لعبدالله - وأظنه يريد ابن مسعود - قراءة: {وبالأرحام} ، والله أعلم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت