{وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلا تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَنْ يَكْبَرُوا وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُوا عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا} [النساء: 6] .
قوله: {وَبِدَارًا} ؛ أي: مبادرة [1] "الهدي": 90.
{وَمَنْ كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ} ، وأغرب ربيعة [2] فقال: المراد: خطاب الوصي بما يصنع باليتيم، إن كان غنيًّا وسع عليه، وان كان فقيرًا أنفق عليه بقدره [3] ، وهذا أبعد الأقوال كلها [4] [5] ،"الفتح":
(1) انظر:"مجاز القرآن"؛ لأبي عبيدة: 1/ 117،"تفسير غريب القرآن"؛ لابن قتيبة: 120،"معاني القرآن"؛ للزجاج: 2/ 14،"غريب القرآن وتفسيره"؛ لليزيدي: 115،"معاني القرآن"؛ للأخفش: 1/ 434،"معاني القرآن"؛ للنحاس: 2/ 21،"جامع البيان"؛ للطبري: 7/ 580،"الكشف والبيان"؛ للثعلبي: 4/ 15 أ،"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 4/ 24، وغيرها.
(2) هو: أبو عثمان ربيعة بن أبي عبدالرحمن (فروخ) التيمي مولاهم، مفتي المدينة، عرف بربيعة الرأي، كان إمامًا ثقة فقيهًا مجتهدًا، بصيرًا بالرَّأْي، حافظًا للفِقْه والحديث، توفِّي على الصَّحِيح عام: 136 هـ، انظر:"سِيَر أعلام النبَلاء"؛ للذهبي: 6/ 89،"تذكرة الحفاظ"له أيضًا: 1/ 157،"تقريب التهذيب"؛ لابن حجر: 322.
(3) لم ينفرد ربيعة بهذا القول، بل قال به أيضًا: يحيى بن سعيد، انظر: قولهما في:"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 871،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 173.
(4) لأن قوله - سبحانه: {فَلْيَسْتَعْفِفْ} يدل على الكف والتعفُّف، وهو بذلك لا يعطي معنى ما ذكره ربيعة ويحيى، والتفكيك مما لا ينبغي أن يخرَّج عليه النظْم القرآني، انظر: استبعاد هذا القول في"تفسير القرآن العظيم"؛ لابن كثير: 1/ 556،"روح المعاني"؛ للآلوسي: 4/ 208،"التحرير والتنوير"؛ لابن عاشور: 4/ 246،"أحكام القرآن"؛ لابن العربي: 1/ 326.
(5) أشهر الأقوال في مسألة أكْل الوصي الفقير من مال اليتيم قولان:
الأول: أن معنى الآية: إن احتاج الوصي الفقير، فله أن يقترضَ من مال اليتيم بمقدار حاجته غير متجاوزة ذلك، فإذا أيسر قضاه، وبه قال عمر، وابن عباس في رواية عنه، وعبيدة السلماني، وابن جبير، والشعبي، ومجاهد، وأبو العالية، والأوزاعي، والطبري.
الثاني: أن الآية تفيد جواز أكْل الوصِي من مال اليتيم بالمعروف مِن دون قضاء، وبه قال ابن مسعود، وعائشة، وابن عباس - في رواية عنه - والنخَعي، وعطاء، والحسَن، وقتادة، وعكرمة، ومكْحُول، واختاره ابن العربي، وقال ابن كثير: هذا هو الصحيح عند أصحاب الشافعي، ونسبه الشَّوْكاني إلى جمهور الفقهاء.
وهذا القول هو الأظهر لكونه بالنظم القرآني ألصق، فإن إباحة الأكل للفقير مشعرة بجواز ذلك من غير قرض، لكن لا بُدَّ من تقييده بما إذا كان الوصي قائمًا على رعاية مال اليتيم؛ بحيث يأخذ بقدْر أجر عمله، أما إذا لم يكن كذلك، فلا يحل له الأخذ؛ لأن أموال الناس محظورة لا تباح إلا بوجه حق، والمراد بالمعروف في الآية - على الصحيح: المتعارف به بين الناس، فلا يترفه الوصي بأموال اليتامى ويبالغ في التنعم بالمأكول والمشروب والملبوس، ولا يدع نفسه عن سد الفاقة وستر العورة. ا. هـ؛ بتصرف من"فتح القدير"؛ للشوكاني: 1/ 636 - 637.
وانظر في المسألة:"جامع البيان"للطبري: 7/ 581 - 596،"الكشف والبيان"للثعلبي: 4/ 15 أ - 16 ب،"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 868 - 871،"البسيط"للواحدي - تحقيق المحيميد: 1/ 115 - 117،"مفاتيح الغيب"؛ للرازي: 9/ 197،"أحكام القرآن"للجصاص: 2/ 94 - 96،"أحكام القرآن"؛ لابن العربي: 1/ 324 - 326،"زاد المسير"؛ لابن الجوزي: 2/ 16،"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 4/ 25،"النكت والعيون"؛ للماوردي: 1/ 454،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 173،"فتح البيان"؛ لصديق خان: 3/ 28،"روح المعاني"؛ للآلوسي: 4/ 208،"التحرير والتنوير"لابن عاشور: 4/ 245 - 246 وغيرها.