{وَيَسْتَفْتُونَكَ فِي النِّسَاءِ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِيهِنَّ وَمَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ فِي يَتَامَى النِّسَاءِ اللَّاتِي لا تُؤْتُونَهُنَّ مَا كُتِبَ لَهُنَّ وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا} [النساء: 127] .
وقوله: {يَسْتَفْتُونَكَ} ؛ أي: يطلبون الفتيا أو الفتوى [1] ، وهما بمعنى واحد [2] ؛ أي: جواب السؤال عن الحادثة التي تشكل على السائل، وهي مشتقة من الفَتِي [3] ، ومنه الفتى وهو: الشاب القوي؛"الفتح": 8/ 114.
قوله [4] : {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ} رغبة أحدكم عن يتيمته، فيه تعيين أحد الاحتمالين في قوله: {وَتَرْغَبُونَ} ؛ لأن رغب يتغيَّر معناه بمتعلقه، يقال: رغب فيه إذا أراده، ورغب عنه إذا لم يرده؛ لأنه يحتمل أن تحذف (في) ، وأن تحذف (عن) .
وقد تأوله سعيد بن جبير على المعنيين، فقال: نزلت في الغنية والمعدمة [5] ، والمروِي هنا عن عائشة أوضح
(1) "جامع البيان"؛ للطبري: 9/ 253،"البسيط"؛ للواحدي - تحقيق المحيميد: 2/ 434،"زاد المسير"؛ لابن الجوزي: 2/ 215،"مفاتيح الغيب"؛ للرازي: 11/ 63،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 353،"روح المعاني"؛ للآلوسي: 5/ 159،"محاسن التأويل"؛ للقاسمي: 5/ 497، وغيرها.
(2) ذكر ذلك جماعة؛ انظر:"لسان العرب"؛ لابن منظور: 5/ 3348،"الصحاح"؛ للجوهري: 6/ 2452،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 353،"عمدة القاري"؛ للعيني: 18/ 190،"تاج العروس"؛ للزبيدي: 20/ 38.
(3) الفتيُّ كغِنيِّ: الشاب من كل شيء، يقال: قد فَتِي يَفْتَى فَتىً، فهو فَتِيُّ السن بَيّن الفتاء؛ انظر:"تاج العروس"؛ للزبيدي: 20/ 38،"لسان العرب"؛ لابن منظور: 3/ 3347. وفي"تهذيب اللغة"؛ للأزهري: 14/ 329، النص على ذلك؛ إذ قال:"وأصل الإفتاء والفتيا تبيين المشكل من الأحكام، أصله من الفتي، وهو الشاب الحدث الذي شبَّ وقوي، فكأنه يُقَوِّي ما أشكل ببيانه، فيشب ويصير فتيًّا قويًّا"، وهو كذلك في"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 359، و"لسان العرب"؛ لابن منظور: 4/ 3348، و"تاج العروس"؛ للزبيدي: 20/ 38، إلا أن فيها: الفتى لا الفتيُّ.
(4) أي: البخاري فيما أخرجه عن عائشة - رضي الله عنها - في جامعه الصحيح"فتح": 8/ 87 رقم: 4574، قالت:"وقول الله في آية أخرى: {وَتَرْغَبُونَ أَنْ تَنكِحُوهُنَّ} رغبة أحدكم عن يتيمته حين تكون قليلة المال والجمال".
(5) هذا فحوى قول سعيد ومعناه لا نصه، كما نبه على ذلك النحاس في"معاني القرآن": 2/ 203 - 204، وكلام سعيد عند الطبري في"جامع البيان": 9/ 255، والثعلبي في"الكشف والبيان": 4/ 126 ب، وزاد السيوطي في"الدر المنثور": 2/ 408، نسبته لابن المنذر ونصه كما في الطبري:"وكان الولي إذا كانت المرأة ذات جمال ومال رغب فيها ونكحها واستأثر بها، وإذا لم تكن ذات جمال ومال أنكحها ولم يَنْكِحْها"، وفي الثعلبي بنحوه وزاد:"فأنزل الله - تعالى - هذه الآية"، وقد نحا جماعة من المفسرين إلى احتمال الآية للتأويلين، وقال بعضهم: هذا إجمال لا لبس؛ لأن اللبس أن يذل اللفظ على غير المراد، والإجمال: إيراد الكلام على وجه يحتمل وجوهًا متعددة؛ انظر:"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 4/ 268،"الدر المصون"؛ للسمين: 2/ 435،"الكشاف"؛ للزمخشري: 1/ 567،"أنوار التنزيل"؛ للبيضاوي: 1/ 247،"إرشاد العقل السليم"؛ لأبي السعود: 2/ 238،"فتح القدير"؛ للشوكاني: 1/ 778،"فتح البيان"؛ لصديق خان: 3/ 253،"روح المعاني"؛ للآلوسي: 5/ 160،"محاسن التأويل"؛ للقاسمي: 5/ 500،"التحرير والتنوير"؛ لابن عاشور: 5/ 213، وغيرها.