فهرس الكتاب

الصفحة 103 من 120

سورة النساء: 125

{وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لِلَّهِ وَهُوَ مُحْسِنٌ وَاتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} [النساء: 125] .

وقوله [1] :"باب قول الله - تعالى: {وَاتَّخَذَ اللَّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا} ، وإبراهيم بالسريانية معناه: أب راحم [2] ، والخليل فعيل بمعنى فاعل [3] ، وهو من الخُلة بالضم، وهي الصداقة والمحبة التي تخللت القلب، فصارت خلاله [4] ، وهذا صحيح بالنسبة إلى ما في قلب إبراهيم مِن حب الله - تعالى - وأما إطلاقه في حق الله - تعالى - فعلى سبيل المقابلة [5] ، وقيل: الخلة أصلها الاستصفاء، وسُمي بذلك؛ لأنه يوالي ويعادي في الله تعالى - وخلة الله له نصره وجعله إمامًا [6] ، وقيل: هو مشتق من الخَلة - بفتح المعجمة -"

(1) أي: البخاري في صحيحه"فتح": 6/ 445.

(2) انظر:"تهذيب الأسماء واللغات"؛ للنووي: جـ: 1/ق: 1/ 98،"الروض الأنف"؛ للسهيلي: 1/ 74،"سبل الهدى"؛ و"الرشاد"؛ للصالحي: 1/ 305،"عمدة القاري"؛ للعيني: 15/ 240.

(3) كالعليم بمعنى العالم، وقيل: هو بمعنى المفعول كالحبيب بمعنى المحبوب، وإبراهيم - عليه السلام - كان محبًّا لله - تعالى - وكان محبوبًا له - عز وجل - انظر:"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي: 5/ 400،"النهاية"؛ لابن الأثير: 2/ 72،"فتح القدير"؛ للشوكاني: 1/ 776،"فتح البيان"؛ لصديق خان: 3/ 250.

(4) انظر:"معاني القرآن"؛ للزجاج: 2/ 112 - 114،"معاني القرآن"؛ للنحاس: 2/ 200 - 201،"لسان العرب"؛ لابن منظور: 2/ 1252،"تهذيب اللغة"؛ للأزهري: 6/ 573،"البسيط"؛ للواحدي - تحقيق المحيميد: 2/ 431،"زاد المسير"؛ لابن الجوزي: 2/ 211 - 212،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 348،"الدر المصون"؛ للسمين: 2/ 431،"تاج العروس"؛ للزبيدي: 14/ 208، وغيرها.

(5) في كون الخلة في حق الله - تعالى - على سبيل المقابلة نظر ظاهر، وذلك لأن المحبة - والخلة أعلى مراتبها - صفة فعلية اختيارية متعلقة بالمشيئة ثابتة بإطلاق على الحقيقة لله - عز وجل - من غير تكييف ولا تشْبيه، فالله يحب الإحسان وأهله، والخير وفاعله، ولا مقابلة متصورة في حبه - عز وجل - للإحسان والخير، وإن تصورتْ في حبه للمحسنين وأهل الخير وليست المحبة كصفتي المكر والكيد الواردتَيْن في قوله - عز وجل: {وَمَكَرُوا وَمَكَرَ اللَّهُ وَاللَّهُ خَيْرُ الْمَاكِرِينَ} [آل عمران: 54] ، وقوله - سبحانه: {إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْدًا * وَأَكِيدُ كَيْدًا} [الطارق: 15، 16] ، واللتين يُقال فيهما: إنَّ الله - تعالى - يمكر بمن يمكر بدينه وأوليائه، ويكيد لِمَنْ يكيد لدينه وأوليائه، ولا يقال: إن منْ صفات الله - تعالى: (المكر) و (الكيد) هكذا مطلقًا، كما يُقال: إن مِن صفاته - سبحانه: (المحبة) و (الرحمة) ، بل لا بُدَّ في الوصْف من المقابلة في الأولى، أما إن أريد بالمقابلة المشاكلة اللفظية فقط دون إثبات حقيقة الصفة، فهو قول باطلٌ غير صحيح عند أهل السنة كما لا يخفى، والله أعلم؛ انظر:"العقيدة الطحاوية"؛ لابن أبي العز: 2/ 396،"منهج ابن حجر في العقيدة"؛ لمحمد إسحاق: 740.

(6) هذا تأويل لصفة الخلة بالنصرة والمعاونة، والواجب إثباتها لله - عز وجل - على الوجه الذي يليق به، من غير تكييف ولا تشبيه، ولو صحَّ كون خلَّة الله بهذا المعنى لما كان لإبراهيم - عليه السلام - وجه تميز لأنه - سبحانه - قد نصر الكثير من أوليائه، وجعل كثيرًا منهم أئمة كما قال - عز وجل - بعد ذكره لعدد من الرسل {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِمْ فِعْلَ الْخَيْرَاتِ} [الأنبياء: 73] ؛ انظر:"جمهرة اللغة"؛ لابن دريد: 1/ 108،"تاج العروس"؛ للزبيدي: 14/ 209،"جامع البيان"؛ للطبري: 9/ 251،"إرشاد العقل السليم"؛ لأبي السعود: 2/ 236،"منهج الحافظ ابن حجر في العقيدة"؛ لمحمد كندو: 740 - 741.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت