{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا} [النساء: 47] .
وقوله: {نَطْمِسَ وُجُوهًا} ؛ أي: نسوِّيها حتى تعود كالأقفية [1] ؛"الهدي": 158.
(1) ما ذكره الحافظُ أحد الأقوال التي قيلتْ في قوله - عز وجل: {مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا} ، وهو قولٌ مرْوي عن ابن عباس، واختاره ابن قُتيبة، وأبو عُبيدة، والطبَري، وحسنه الزمخشري، والطمس على هذا القول حقيقة، والمعنى: نمحو تخطيط صورها ومعالمها من عين وحاجب وأنف وفم ونجعلها على هيئة أقفائها؛ أي: مطموسة مثلها، وهناك أقوال أخرى تشترك مع هذا القول في أن الطمس حقيقة، وهي:
أ - أن المعنى: من قبل أن تزال العينان من الوجوه وترد في القفا، فيمشي من حاله ذلك القهقرى، وهو قولٌ مرْوي عن ابن عباس وعطية العوفي.
ب - أن المعنى: من قبل أن نعمي العيون، وَذَكَر الوجوهَ وأراد العيون؛ لأن الطمْس من نعوت العين، وهذا القول مروي عن ابن عباس أيضًا، وقال به قتادة والضَّحَّاك.
جـ - قال الفرَّاء: طمس الوجوه جعلها منابت للشعر كوجوه القردة، فهو رد على دبره؛ لأن منابت شعر الآدميين في أدبارهم، قال: وهذا أشْبه بالصواب، وذهب آخرون إلى أنه لا طمس على الحقيقة، وحملوا اللفظ على مجازه، وذكروا في ذلك وجوهًا:
أ - أن المراد: نطمسها عن الهدى فنردها على أدبارها، أي: ضلالتها، والمقصود: بيان إلقائها في أنواع الخذلان وظلمات الضلال، وهو قول مروي عن ابن عباس، وقال به: أبي بن كعب، ومجاهد، والحسن، والسدي، وابن أبي نُجيح، ومقاتل.
ب - أن المراد بالطمس: القلْب والتغيير، وبالوجوه: رؤساء اليهود ووجهاؤهم، والمعنى: من قبل أن نُغَيِّر أحوال وجهائهم، فنسلب منهم الإقبال والوجاهة، ونكسوهم الصغار والإدبار والمذلة.
جـ - قال زيد بن أسلم وابنه: الوجوه هنا: أوطانهم ومساكنهم التي خرجوا إليها، وطمسها: إخراجهم منها، والرد على أدبارهم: رجوعهم إلى الشام التي جاؤوا منها، وقد وقع ذلك في إجلاء بني قريظة وبني النضير إلى الشام، والملاحَظ أن القول بالمعنى المجازي لا إشكال في وقوع الطمس فيه، أما القول بالمعنى الحقيقي ففيه إشكال من جهة عدم وقوعه، ولأهل العلم عن ذلك أجوبة؛ منها:
أ- أنه ليس من شرط الوعيد والتهديد أن يقع المهدد به.
ب- أن الله جعل الوعيد إما بالطمس أو اللعن لا بالطمس وحده، وقد وقع أحدهما، وهو اللعن؛ فلا تخلف عن إيقاع المهدد به.
جـ- أن ذلك التهديد في الآخرة لا الأولى.
د- أن ذلك التهديد واقع في الدنيا لا محالة قبل يوم القيامة، وإن لم يقع بعد.
هـ- أن الخطاب في الآية لجميع اليهود، فكان التهديد بهذا الطمس مشروطًا ألا يأتي أحد منهم بالإيمان، ولم يحصل هذا الشرط فلم يحصل الطمس؛ لأنه قد آمن جماعة منهم كعبدالله بن سلام، وثعلبة بن سعية، وأسيد بن سعية، ومخيريق، وأسد بن عبيد، وغيرهم؛ انظر:"معاني القرآن"؛ للفراء: 1/ 272،"مجاز القرآن"؛ لأبي عبيدة: 1/ 129،"معاني القرآن وإعرابه"؛ للزجاج: 2/ 59،"تفسير غريب القرآن"؛ لابن قتيبة: 128،"معاني القرآن"؛ للنحاس: 2/ 105 - 106،"جامع البيان"؛ للطبري: 8/ 440 - 445،"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 969،"المحرر الوجيز"؛ لابن عطية: 4/ 141 - 142،"زاد المسير"؛ لابن الجوزي: 2/ 101 - 102،"النكت والعيون"؛ للماوردي: 1/ 494،"مفاتيح الغيب"؛ للرازي: 10/ 124 - 126،"الجامع لأحكام القرآن"؛ للقرطبي: 5/ 244،"البحر المحيط"؛ لأبي حيان: 3/ 266 - 267،"فتح القدير"؛ للشوكاني: 1/ 711،"روح المعاني"؛ للآلوسي: 5/ 49.