{إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْرًا عَظِيمًا} [النساء: 146] .
ويُستفاد من قوله - تعالى: {إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ} صحة توبة الزنديق [1] وقبولها على ما عليه الجمهور [2] ، فإنها مُستثناة من المنافقين من قوله:
(1) الزنديق فارسي معرب، وهو من الثنوية كما في"الصحاح"؛ للجوهري: 4/ 1489، والثنوية حاصل مقالتهم: أن النور والظلمة قديمان امتزجا فحدث العالم كله منهما، وبعضهم يقول: بقدم النور وحدوث الظلمة، فمن كان من أهل الشر فمن الظلمة، ومن كان من أهل الخير فمن النور، أو الزنديق من لا يؤمن بالآخرة ووحدانية الخالق؛ أي: الملحد، كما في"تهذيب اللغة"؛ للأزهري: 9/ 40، أو القائل ببقاء الدهر كما في"اللسان": 3/ 1871، أو من يبطن الكفر ويظهر الإيمان؛ أي: المنافق، كما في"القاموس؛"للفيروزآبادي: 802، وانظر:"تاج العروس"؛ للزبيدي: 13/ 201، و"المغرب"؛ للمطرزي: 211. والزنديق في عرف الفقهاء - وهو مراد الحافظ هنا: مَن يظهر الإيمان ويبطن الكفر، وهو المنافق كما قاله غير واحد، قال ابن قدامة في"المغني"9/ 159:"والزِّنديق: هو الذي يظهر الإسلام ويستتر بالكفر وهو المنافق، كان يسمى في عصر النبي - صلى الله عليه وسلم - منافقًا، ويسمى اليوم: زنديقًا؛ وانظر:"فتاوى ابن تيمية": 7/ 471،"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير": 4/ 306، وعرَّفه بعضهم بمن لا ينتحل دينًا؛ أي: الجاحد المعطل، وهذا كما يقول ابن تيميَّة في"فتاويه"7/ 472:"اصطلاح كثير من أهل الكلام والعامة، ونقلة مقالات الناس، ولكن الزنديق الذي تكلم الفقهاء في حكمه هو الأول؛ لأن مقصودهم هو التمييز بين الكافر وغير الكافر، والمرتد، ومن أظهر ذلك أو أسره"؛ وانظر:"مغني المحتاج"؛ للشربيني: 4/ 140 - 141،"نهاية المحتاج"؛ للرملي: 7/ 419،"الموسوعة الفقهية الكويتية": 24/ 48،"نيل الأوطار"؛ للشوكاني: 8/ 3 - 4."
(2) عزاها للجمهور أيضًا: العيني في"عُمدة القاري": 18/ 193، والقسطلاني في"إرشاد الساري": 10/ 169، وفصل في النسبة إلى أصحاب المذاهب الأربعة ابن تيميَّة فقال في"الفتاوى"7/ 471:"وتكلَّم الناس في الزنديق: هل تقبل توبته في الظاهر إذا عرف بالزندقة ودفع إلى ولي الأمر قبل توبته؟ فمذهب مالك وأحمد في أشهر الروايتين عنه، وطائفة من أصحاب الشافعي، وهو أحد القولين في مذهب أبي حنيفة: أن توبته لا تقبل، والمشهور من مذهب الشافعي قبولها كالرواية الأخرى عن أحمد، وهو القول الآخر في مذهب أبي حنيفة"، وانظر:"فتح القدير"؛ لابن الهمام: 5/ 309،"حاشية سعدي جلبي على شرح العناية"- مطبوع مع"فتح القدير": 5/ 310،"رد المحتار"؛ لابن عابدين: 6/ 384 و 388،"البيان والتحصيل"؛ لابن رشد: 16/ 388 و 444،"مواهب الجليل"؛ للحطاب: 6/ 279،"حاشية الدسوقي على الشرح الكبير": 4/ 306،"الخرشي على خليل": 8/ 67، "مغني المحتاج"؛ للشربيني: 4/ 140 - 141،"نهاية المحتاج"؛ للرَّمْلي: 7/ 419،"كشَّاف القناع"؛ للبُهُوتي: 6/ 177،"حاشية الروض المربع"؛ لابن قاسم: 7/ 408، وسبب الخلاف هو أن الزنديق لا تعرف توبته؛ لأنه إذا أظهر التوبة لم يزد على ما كان منه قبلها وهو إظهار الإسلام، انظر المصادر السابقة، و"الذخيرة"؛ للقرافي: 12/ 13،"والخلاف في أحكام الدنيا من ترك القتل وثبوت أحكام الإسلام من توريث وغيره، وأما في الآخرة فإن صدقت توبته قبلت بلا خلاف، ذكر ذلك غير واحد ممن سبق، والمسألةُ محل اجتهاد، ولكلا القولين حظ من النظر، والأظهر قبولها؛ لأن للعباد الظواهر، والله - تعالى - يتولى السرائر، على أن ذلك لا ينافي الحذر منهم، وعدم توليتهم مقاليد الأمور حتى يوثق من صدق توبتهم"، والله أعلم.