وقيل [1] : المراد بالقصر في الآية: قصر الصلاة في الخوف إلى ركعة، وفيه نظر؛ لما رواه مسلم [2] من طريق يعلى بن أمية [3] - وله صحبة - أنه سأل عمر عن قصر الصلاة في السفر فقال: إنه سأل رسول الله - صلى الله عليه وسلم - عن ذلك فقال: (( صدقة تصدق الله بها عليكم ) )، فهذا ظاهر في أن الصحابة فهموا من ذلك قصر الصلاة في السفر مطلقًا لا قصرها في الخوف خاصة [4] ؛"الفتح": 2/ 657.
(1) ينسب هذا القول إلى جماعة منهم ابن عباس، وابن عمر، وعائشة، وجابر، والسُّدِّي، ومُجاهد، والضَّحاك؛ انظر:"جامع البيان"؛ للطبري: 9/ 132 - 139،"تفسير ابن أبي حاتم": 3/ 1039 - 1040،"مفاتيح الغيب"؛ للرازي: 11/ 17،"تفسير القرآن العظيم"؛ لابن كثير: 1/ 665 - 666.
(2) في صحيحه: 1/ 478 رقم: 686، وهو عند أحمد في"المسند": 1/ 5270 رقم: 244، وأبي داود في"السنن": 2/ 4 رقم: 1199، والنسائي في"المجتبى": 3/ 116، وابن ماجة في"السنن": 1/ 339 رقم: 1065.
(3) هو: يعْلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام التميي، حليف قريش، وهو يعْلى بن منية بنت غزوان أخت عتبة بن غزوان نسبة إلى أمه، صحابي مشهور، أسلم يوم الفتح وشهد الطائف وتبوك، كان من أجواد الصحابة ومتموليهم، قال الذهبي:"بقي إلى قريب الستين، فما أدري أتوفي قبل معاوية أم بعده"؛ انظر:"أسد الغابة"؛ لابن الأثير: 5/ 128،"سير أعلام النبلاء"؛ للذهبي: 3/ 100،"الإصابة"؛ لابن حجر: 3/ 668.
(4) قد ينازع الحافظ - رحمه الله - في الفهم لهذا الحديث، فيقال: إن الصحابة - رضي الله عنهم - أشكل عليهم الجمع بين الآية والواقع، فالآية تدل على جواز القصر بشرطين:
أ - السفر، ب - الخوف، وواقع الناس في أسفارهم القصر في حال الخوف والأمن، فلذا قام الإشكال وتم السؤال، وليس فيه ما يدل على أن الصحابة فهموا من الآية جواز القصر مطلقًا، ولو فهموا ذلك لما كان هناك إشكال؛ لأنه لا تعارض بين واقع الناس في القصر وبين ما دلت عليه الآية، والله أعلم.
وذهب ابن عاشور في"التحرير والتنوير"5/ 184 إلى وجه آخر في توجيه الحديث فقال:"ولا شك أن محمل هذا الخبر أن النبي - صلى الله عليه وسلم - أقر عمر على فهمه تخصيص هذه الآية بالقصر لأجل الخوف، فإن القصر لأجل الخوف رخصة لدفع المشقة، وقوله له: صدقة ... إلخ، معناه: أن القصر في السفر لغير الخوف صدقة من الله؛ أي: تخفيف، وهو دون الرخصة فلا تردوا رخصته، فلا حاجة إلى ما تمحلوا به في تأويل القيد الذي في قوله: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} ، وتقتصر الآية على صلاة الخوف ..."، واعلم بأن الخلاف في ذلك لا يترتب عليه كبير عمَل؛ لأن الناس قد أجمعوا على مشروعية القصر في السفر الآمن - وإن سماه بعضهم تمامًا؛ انظر:"حكاية الإجماع في الاستذكار"؛ لابن عبدالبر: 6/ 52،"المغني"؛ لابن قدامة: 3/ 104،"الإجماع"؛ لابن المنذر: 9 رقم: 92، و"الأوسط"له: 4/ 331،"مراتب الإجماع"؛ لابن حزم: 25،"معالم التنزيل"؛ للبغوي: 2/ 275،"المجموع"؛ للنووي: 4/ 209،"إجماعات ابن عبدالبر في العبادات"؛ للبوصي: 2/ 480، إلا أن من قال بأن لا دلالة في الآية على مشروعية القصر في السفر جعل السنة المتواترة عنِ النبي - صلى الله عليه وسلم - مستند الإجماع، وهو الأظهر، ومَن قال بدلالتها على مشروعية القصر في السفر جعل الكتاب مع السنة هما مستند ذلك الإجماع، وقالوا عن القيد في قوله - عز وجل: {إِنْ خِفْتُمْ أَنْ يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا} لا مفهوم مخالفة له؛ لأنه خرج مَخْرج الغالب حال نزول هذه الآية؛ لأنه في مبدأ الإسلام بعد الهجرة كانت غالب أسفارهم مخوفة، وقد تقرر في الأصول من الموانع لاعتبار مفهوم المخالفة خروج المنطوق مخرج الغالب، وهذه الآية كقوله - عز وجل: {وَرَبَائِبُكُمُ اللَّاتِي فِي حُجُورِكُمْ} [النساء: 23] ، والتي لم يعتد الجمهور بمفهوم المخالفة فيها لخروجه مخرج الغالب؛ انظر:"معالم التنزيل"؛ للبغوي: 2/ 275،"تفسير القرآن العظيم"؛ لابن كثير: 1/ 576،"أضواء البيان"؛ للشنقيطي: 1/ 344.