المطلب الأول: التناص السياقي أو الخارجي
يتسم العصر المريني المغربي بالإحن والحروب والهزائم والصراعات الداخلية والخارجية. وفي هذه الفترة بالضبط، اشتد بالخصوص الصراع بين الموحدين والمرينيين، ووقعت معركة (العقاب) التي انهزم فيها المغاربة أمام الإسپان في الأندلس. وبدأ الاضمحلال العربي في الأندلس ينذر بالسقوط المبكر، بتحالف الجيوش المسيحية فيما بينها لاسترجاع الأندلس. وقد فشل أبو الحسن في توسيع إمبراطوريته المغاربية، بعد أن مني بهزيمة نكراء في أثناء محاولته لإخضاع أعراب تونس، وضاع أسطوله غرقا في البحر، وتفشى الفساد في بلده المغرب، وعاصمته تامسنا، ومدينته الإستراتيجية شالة (سلا) التي تجري فيها أحداث الرواية.
وأمام تفشي المنكر، وكثرة المحن والإحن، وانتشار الفساد بكل أنواعه في البر والبحر، وتعاظم الاستبداد في الدولة المرينية، ظهر الخطاب الصوفي أو المناقبي، وتكاثرت الجماعات الطرقية رد فعل على هذا العصر الموبوء بالتسلط، والظلم، والاعتساف، وغطرسة السلطان وأعوانه. وبرز رجال صوفية ومجاذيب وأولياء صالحون على هامش المجتمع، رافضين الواقع السائد، ملتجئين إلى العزلة والخلوة الصوفية، منتقدين المجتمع المتردي، غير مبالين بالانصياع لمواضعاته المختلة ومقاييسه الجائرة، باحثين عن واقع ممكن يتمثل في التغيير الذاتي والنفسي؛ لأن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم.
وقد شكل هذا المعطى التاريخي والصوفي إطارا للرواية، وأصبح سياقا تناصيا خارجيا لها. بالإضافة إلى كتابات أحمد توفيق التاريخية عن العصر الوسيط، وتحقيقاته لكتب التصوف، جعلت هذا الكاتب الروائي، إن بطريقة شعورية أو غير شعورية، يخضع لهذه المؤثرات التناصية بشكل أو بآخر.