أضف إلى ذلك فقد عمل المجتمع الرأسمالي على تثبيت هوية المؤلف بشتى الوسائل، كتشريع حقوق المؤلف، وتحديد العلاقات بين المؤلفين والناشرين، وضبط حقوق إعادة الطبع ... ولا ننسى كذلك أن جوستاف لانصون (G.Lanson) وتين (Taine) ركزا على ما يسمى بدكتاتورية المؤلف. وكان لهما تأثير كبير في النقد العربي الحديث من بداية القرن العشرين إلى منتصفه؛ لأن المؤلف مالك الأثر الأدبي، وصاحب العمل الفني. وبالتالي، على علم الأدب أن يتعلم كيف يحترم المخطوط، ويراعي نوايا المؤلف، وعلى المجتمع أن يسن قوانين تضبط العلاقة بين المؤلف وأعماله من خلال قانون"حقوق المؤلف"، وهي قوانين حديثة العهد، حيث إنه لم تتخذ شكلها القانوني إلا مع الثورة الفرنسية. [1]
ومازال المؤلف حاضرا - حسب رولان بارت (R.Barthes) - في مطولات تاريخ الأدب، وترجمات الكتاب، واستجوابات المجلات، بل ويتجلى هذا الحضور حتى في وعي الأدباء الذين يحرصون على ربط أشخاصهم بأعمالهم، عن طريق مذكراتهم الشخصية.
وقد استند النقد الأوربي الكلاسيكي، لمدة طويلة، إلى مرآة المؤلف في تأويل النصوص، وتوثيقها بالاعتماد على منظور الوسط، ومقترب الشعور واللاشعور. لذا، فصورة الأدب التي يمكن أن نلفيها في"الثقافة المتداولة تتمركز أساسا حول المؤلف، وشخصه، وتاريخه، وأذواقه، وأهوائه، ومازال النقد يردد في معظم الأحوال - يقول رولان بارت- بأن أعمال بودلير وليدة فشل الإنسان بودلير، وأن أعمال فان گوخ وليدة جنونه، وأعمال تشايكوفسكي وليدة نقائصه. وهكذا يبحث دوما عن تفسير للعمل جهة من أنتجه، كما لو أن وراء مايرمز إليه الوهم بشفافية متفاوتة، صوت شخص وحيد بعينه هو المؤلف الذي يبوح بأسراره." [2]
وإذا انتقلنا إلى الثقافة العربية الكلاسيكية، فهي بدورها تمجد الفرد، وتحترم الملكية، وتحارب كل مظاهر النحل، والانتحال، والسرقة، والادعاء، والإغارة، ولوكان ذلك كله تناصا.
(1) - عبد السلام بنعبد العالي: التراث والهوية، صص:82.
(2) - عبد السلام بنعبد العالي: نفسه، صص:82.