فهرس الكتاب

الصفحة 21 من 216

إذًا، فالثقافة العربية الكلاسيكية ترفض أي غياب للمؤلف، فلا بد من هويته الحضورية. ولكي يعد النص نصا ينبغي أن يصدر عنه، أو يرقى به إلى قائل يقع الإجماع على أنه حجة. حينئذ يكون النص كلاما مشروعا ينطوي على سلطة، وقولا مشدودا إلى مؤلف- حجة. و"يظل الخطاب مجال اهتزاز مقلق، واستعداد احتمالي متوحش، ولن يوقف هذا التساؤل المحير، ويحدد دلالة الخطاب العائمة، إلا الانتساب إلى اسم بعينه، فكأن الخطاب، إن لم يحمل اسم مؤلفه، ميكون مصدر خطورة، ويصير أرضا غريبة، تحار فيها الأقدام، وتختلط الاتجاهات لغياب نقطة مرجعية مضمونة. وهكذا، يدرك الخطاب انطلاقا من الاسم الذي يوقعه. فالقطعة الشعرية تدرك انطلاقا مما نعرفه سابقا عن مؤلفها، والنادرة يختلف مفعولها بحسب نسبتها إلى ماجن أو رجل متزمت". [1]

ومن المعروف أن علماء العربية وأدباءها القدماء كانوا لايتعاملون إلا مع نصوص مؤلف حجة. يقول عبد الفتاح كيليطو:"من بين العوامل المحددة للنص غموض الدلالة - كما أسلفنا-، وكذلك نسبة القول إلى مؤلف معترف بقيمته. أي: مؤلف يجوز أن تصدر عنه نصوص. ليس بإمكان أي واحد أن تعتبر أقواله نصوصا. فإذا كان الكلام لايحصى، فإن النصوص- كما يقول ميشيل فوكو- نادرة. ومن جملة الأسباب التي تفسر هذه الندرة، وجوب تحقيق شروط دقيقة لايمكن بدونها أن يصير شخص ما مؤلفا يعتد بكلامه." [2]

وأهم مرحلة في حياة المؤلف الحجة هي"لقاؤه مع شيوخه لقاء مع من لهم الصلاحية، ومن يعول عليهم في تبليغ النصوص. وبعد هذا اللقاء يمكنه، إذا أجازوه، أن يصبح في مستواهم، وأن يبلغ بدوره النصوص التي تلقاها عنهم ... فسواء كتب شعرا أو رسالة أو كتابا أو اكتفى بترديد ما حفظ، فإنه يمتلك نفوذا كبيرا؛ لأنه يصبح أحد الأعمدة التي ترتكز عليها الثقافة، يعني أنه يفوه بنصوص تنضاف إلى النصوص الأخرى المكونة للثقافة. والتحول الذي يحدث لقائل عندما يصبح مؤلفا حجة"

(1) - عبد السلام بنعبد العالي: (المؤلف في تراثنا الثقافي) ، التراث والهوية، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى، سنة 1987 م، ص:83.

(2) - عبد الفتاج كيليطو: الأدب والغرابة، دار الطليعة، بيروت، لبنان، الطبعة الثانية سنة 1983 م، ص:15.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت