فهرس الكتاب

الصفحة 26 من 216

فارغة في محمولها، وأنها يمكن أن تؤدي دورها على أكمل وجه، دون أن تكون هناك ضرورة لإسنادها إلى المتحدثين. فمن الناحية اللسانية، ليس المؤلف إلا ذلك الذي يكتب، مثلما أن الأنا ليس إلا ذلك الذي يقول أنا: إن اللغة تعرف الفاعل، ولا شأن لها بالشخص. وهذا الفاعل الذي يظل فارغا خارج عملية القول التي تحدده، يكفي كي تقوم اللغة. أي: كي تستنفذ. [1]

ويعد رولان بارت من النقاد الذين أعلنوا إفلاس المؤلف، فقد خاض صراعا ضد ريمون بيكار في كتابه (النقد والحقيقة) [2] ، مدافعا عن النقد الجديد الذي لايؤمن بسلطة الكاتب، مادام التناص يتحكم في النصوص الإبداعية، ومادام البحث عن المؤلف بحثا عن الناقد وإغلاقا لكتابة، وإعطاء مدلول نهائي للنص. فالنص لاينشأ عن"رصف كلمات تولد معنى وحيدا، معنى لاهوتيا إذا صح التعبير (هو رسالة"المؤلف الإله") ، وإنما هو فضاء متعدد الأبعاد، تتمازج فيه كتابات متعددة وتتعارض، من غير أن يكون فيها ماهو أكثر من غيره أصالة: النص نسيج من الاقتباسات، تنحدر من منابع ثقافية متعددة. إن الكاتب لايمكنه إلا أن يقلد فعلا هو دوما متقدم عليه، دون أن يكون ذلك الفعل أصليا على الإطلاق". [3]

ومن هنا، فالبحث عن المؤلف هو قتل للنص، واغتيال للذته، ومنع لتعدد دلالاته، وتحنيط قسري لوظيفته الجمالية. فعندما يبتعد المؤلف ويحتجب، فإن الزعم بالتنقيب عن"أسرار النص يغدو أمرا غير ذي جدوى، ذلك بأن نسبة النص إلى مؤلف معناها إيقاف النص، وحصره، وإعطاؤه مدلولا نهائيا. إنها إغلاق الكتابة. وهذا التصور يلائم النقد أشد ملاءمة، إذ إن النقد يأخذ على عاتقه حينئذ الكشف عن المؤلف من وراء العمل الأدبي. وبالعثور على المؤلف، يكون النص قد وجد تفسيره، والناقد ضالته. فلا غرابة - إذًا- أن تكون سيادة المؤلف من الناحية التاريخية هي سيادة الناقد. كما"

(1) - رولان بارت: نفسه، ص:84.

(2) - رولان بارت: النقد والحقيقة، ترجمة: إبراهيم الخطيب، الشركة المغربية للناشرين المتحدين، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1985 م.

(3) - رولان بارت: نفسه، ص:85.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت