فكرة هي التي تشكل موضوعهما المشترك، وغالبا ما قام عنوان الخطاب بهذه الوظيفة. إنه يمثل المسند إليه أو الموضوع العام، وتكون كل الأفكار الواردة في الخطاب مسندات له، ونلاحظ مباشرة أن كل خطاب نثري علميا كان أم أدبيا يتوفر دائما على عنوان. في حين، إن الشعر يقبل الاستغناء عنه، على الرغم من أننا نضطر إلى اعتبار الكلمات الأولى في القصيدة عنوانا. وهذا ليس إهمالا ولا تأنقا. وإذا كانت القصيدة تستغني عن العنوان، فلأنها تفتقر إلى تلك التركيبة التي يكون العنوان تعبيرا عنها". [1] "
هذا، وإن العنونة هي أولى المراحل التي يقف لديها الباحث السيميولوجي لتأملها واستنطاقها قصد اكتشاف بنيتها وتراكيبها ومنطوقاتها الدلالية ومقاصدها التداولية. إن العناوين عبارة عن علامات سيميوطيقية تقوم بوظيفة الاحتواء لمدلول النص. كما تؤدي وظيفة تناصية، ولاسيما إذا كان العنوان يحيل على نص خارجي، يتناسل معه ويتلاقح شكلا وفكرا. وهكذا، « ... يمكن أن تشتغل العناوين علامات مزدوجة، حيث إنها في هذه الحالة تحتوي القصيدة التي تتوجها، وفي الوقت نفسه تحيل على نص آخر، وبما أن المؤول يمثل نصا، فهو يؤكد واقع كون وحدة الدلالة في الشعر نصية دائما، وبإحالته على نص آخر يوجه العنوان المزدوج انتباها نحو الموقع الذي تفسر فيه دلالية النص الذي يحتويه. إن المقارنة بالنص الذي تم استحضاره تنور القارئ؛ لأنه يدرك التماثل الموجود بين القصيدة ومرجعها النصي على المستويين: الوصفي والسردي، ويمكن، على سبيل المثال، أن يكون للمرجع النصي نفس المولد الموجود في القصيدة ..." [2] "
وهكذا، فالعنوان هو الذي يسمي النصوص والخطابات الإبداعية، ويعينها، ويخلق أجواءها النصية والتناصية عبر سياقها الداخلي والخارجي. علاوة على استيعابه للأسئلة الإشكالية التي تطرحها هذه النصوص والخطابات بواسطة عناوينها الوسيطة والبؤرية.
كما للعنوان وظائف سيميولوجية متعددة ومتنوعة، حيث يرد علامة، ورمزا، وإشارة، وأيقونا، ومخططا، وصورة ... ولاسيما أننا نعيش، اليوم، في عوالم العلامات، في عصر يتسم بالتعقيد والتواصل
(1) - جون كوهن: بنية اللغة الشعرية، ترجمة: محمد الولي ومحمد العمري، دار توبقال للنشر، الدار البيضاء، الطبعة الأولى سنة 1986 م، ص:161.