فهرس الكتاب

الصفحة 58 من 216

البصري. لذلك، يتطلب منا ذلك كله التسلح بالمشروع السيميولوجي للدخول في مغامرة علاماتية قصد الإلمام بالمحيط الذي يواجهنا، والابتعاد عن الثرثرة الزائدة، وتجنب الكتابات الطويلة المملة، والتركيز على الاختصار والإيحاء بدلا من التطويل والتفصيل الممل. لذا، تعتمد اليابان، مثلا، على الأنساق السيميولوجية في التأثير، والتبادل، والتمدن الحضاري. حتى أصبحت اليابان من الدول التي تعيش عالما مليئا بالعلامات، سواء أكانت لفظية أم بصرية. وتقوم العناوين بأدوار سيميولوجية هامة في إثراء إمبراطورية العلامات نظرا لما تؤدي من وظائف كثيرة في التواصل الثقافي والحضاري.

وهكذا، يرى رولان بارت (R.Barthes) أن العناوين عبارة عن أنظمة دلالية سيميولوجية، تحمل، في طياتها، قيما أخلاقية واجتماعية وإيديولوجية. وفي هذا الإطار، يقول بارت (Barthes) :"يبدو اللباس، والسيارة، والطبق المهيأ، والإيماءة، والفيلم، والموسيقى، والصور الإشهارية، والأثاث، وعنوان الجريدة ... أشياء متنافرة جدا."

ما الذي يمكن أن يجمع بينها؟ إنه على الأقل: كونها جميعا أدلة. فعندما أتنقل في الشارع أو في الحياة، وأصادف هذه الأشياء، فاني أخضعها، بدافع الحاجة، ودون أن أعي ذلك، لنفس النشاط، الذي هو نشاط قراءة. يقضي الإنسان المعاصر وقته في القراءة. إنه يقرأ أولا، وبصورة خاصة، صورا، وإيماءات وسلوكيات. هذه السيارة تطلعني على الوضع الاجتماعي لصاحبها، وهذا اللباس يطلعني، بدقة، على مقدار امتثالية لابسه أو شذوذه، وهذا المشروب الفاتح للشهية (الويسكي، والبرنو أو النبيذ الأبيض الممزوج بخالص الكشمس) ، يطلعني على أسلوب مضيفي في الحياة. وحتى عندما يتعلق الأمر بنص مكتوب، فإنه يسمح لنا بأن نقرأ، دائما رسالة ثانية بين سطور الأولى: لو قرأت بخط بارز"فزع بول (Paul) السادس"، فذلك معناه: إذا قرأت ما تحت العنوان ستدرك السبب. وكلها قراءات على قدر كبير من الأهمية في حياتنا. إنها تتضمن قيما مجتمعية وأخلاقية وأديولوجيات كثيرة، لابد، للإحاطة بها، من تفكير منظم. هذا التفكير هو ما ندعوه هنا على الأقل، سيميولوجيا." [1] "

إذًا، تعد العناوين بمثابة رسائل مسكوكة مضمنة بعلامات دالة ومعبرة، ومشبعة برؤى للعالم يغلب عليها الطابع الإيحائي. لذا، فعلى السيميولوجيا أن تدرس العناوين الإيحائية الدالة قصد فهم

(1) - رولان بارت: المغامرة السيميولوجية، ترجمة: عبد الرحيم حزل، مراكش، الطبعة الأولى سنة 1993 م؛ ص 25.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت