التعقيد. إنه مدخل إلى عمارة النص، وإضاءة بارعة وغامضة لأبهائه وممراته المتشابكة ( ... ) لقد أخذ العنوان يتمرد على إهماله فترات طويلة، وينهض ثانية من رماده الذي حجبه عن فاعليته، وأقصاه إلى ليل من النسيان. ولم يلتفت إلى وظيفة العنوان إلا مؤخرا." [1] "
وعلى الرغم من هذا الإهمال، فقد التفت إليه بعض الدارسين في الثقافتين: العربية والأجنبية، قديما وحديثا، وتنبه إليه الباحثون في مجال السيميوطيقا وعلم السرد والمنطق، وأشاروا إلى مضمونه الإجمالي في الأدب والسينما والإشهار نظرا لوظائفه اللغوية، والمرجعية، والتأثيرية، والأيقونية. وحرصوا على تمييزه في دراسات معمقة، بشرت بعلم جديد ذي استقلالية تامة، ألا وهو علم العنوان (TITROLOGIE) الذي ساهم في صياغته وتأسيسه باحثون غربيون معاصرون هم: جيرار جنيت (G.GENETTE) ، وهنري متران (H.METTERAND) ، ولوسيان گولدمان (L.GOLDMANN) ، وشارل گريفل (CH.GRIVEL) ، وروجر روفر (ROGER ROFER) ، وليوهويك (LEO HOEK) الذي عرف العنوان بكونه"مجموعة من الدلائل اللسانية ( ... ) يمكنها أن تثبت في بداية النص من أجل تعيينه، والإشارة إلى مضمونه الإجمالي، ومن أجل جذب الجمهور المقصود" [2] .
وقد نادى لوسيان گولدمان الدارسين والباحثين الغربيين إلى الاهتمام بالعتبات بصفة عامة، والعنوان بصفة خاصة. وأكد في قراءته السوسيولوجية للرواية الفرنسية الجديدة مدى قلة النقاد"الذين تعرضوا إلى مسألة بسيطة مثل العنوان في رواية (الرائي le voyeur) الذي يشير- مع ذلك بوضوح- إلى مضمون الكتاب، ليتفحصوه بما يستحق من عناية". [3]
وتعتبر دراسة (العتبات SEUILS) لجيرار جنيت (GERARD GENETTE) أهم دراسة علمية ممنهجة في مقاربة العتبات بصفة عامة، والعنوان بصفة خاصة؛ لأنها تسترشد بعلم السرد والمقاربة النصية في شكل أسئلة ومسائل، وتفرض عنده نوعا من التحليل [4] .
(1) - علي جعفر العلاق: (شعرية الرواية) ، علامات في النقد، المجلد 6، الجزء 23، السنة 1997، صص:100 - 101.