و لم تقتصر الرواية العربية الحديثة، في بنيتها العنوانية، على الصورة اللغوية والبنية الحرفية التقريرية المباشرة، بل تجاوزتها إلى الصورة البصرية، على غرار العناوين السينمائية ذات الوظائف الإيحائية والسيميولوجية. فقد حرصت السينما الحديثة على"اختيار عناوينها من كلمة أو كلمتين أو من حرف. أما السينما التي اعتمدت الروايات البوليسية وأعمال الخيال العلمي، فإن مكوناتها ظلت كما هي تحتفظ بالعنوان الحدثي المؤسس لبؤرة الرواية قصد تزكية العنوان البصري (الصورة) . كما أن سينما الخيال العلمي ظلت تنحو منحى تتخذ فيه الزمان والمكان مكونين للعنوان، قصد الإيحاء الوظيفي، وأداء مهمة تحيل على المستقبل."
نستنتج - إذًا- أن العنوان الفني يتميز بخصائص محددة تميل نحو ماهو بلاغي في محاولة التقاط جوهر الشيء، وليس الشيء في ذاته: عناوين سريالية تميل نحو ماهو استعاري، وتؤدي وظائف متعددة ومتراكبة في آن [1] .""
وتمتاز العناوين في الرواية الكلاسيكية، أو الرواية الفنية الحديثة، بخاصية الانسجام على مستوى مظاهر القصة (الأحداث- الشخصيات- الفضاء) من جهة، وعلى مستوى مظاهر الخطاب (الرؤية- الصيغة- الزمن) من جهة أخرى.
غير أن العناوين في الرواية العربية الجديدة التي ظهرت مع الستينيات من القرن الماضي تبتعد عن العناوين الكلاسيكية على مستوى البنية، والدلالة، والوظيفة. والهدف من ذلك كله هو تحقيق التجريب، والعصرنة، والعولمة، والتأصيل.
لذا، فلقد اتخذت العنونة الحداثية في الرواية الجديدة مسلكين عنوانيين: المسلك الأول يريد الدخول إلى العولمة الإبداعية، بالاستفادة من تقنيات الغرب، وتمثل طرائق الرواية الغربية، واستيحاء أنماطها السردية، واستيعاب تشكيلاتها الفنية. أما المسلك الثاني، فيرغب في تحقيق المعاصرة، بالاستفادة من التراث، ومحاورته معارضة وتحريفا وسخرية بارودية، وتمثل سروده القديمة بطريقة تناصية وتفاعلية على النحو التالي:
أ-العنونة التجريبية رغبة في التحديث.
(1) - شعيب حليفي: نفسه، ص:89.