فهرس الكتاب

الصفحة 83 من 216

ب-العنونة التراثية رغبة في التأصيل.

ولقد ظهرت العنونة الحداثية مع الرواية الجديدة منذ ستينيات القرن الماضي، وقبل ذلك بقليل؛ إذ كتب المسعدي، في منتصف الخمسينيات بتونس، رواية تراثية عنوانها (حدثني أبو هريرة فقال) . وبذلك، فقد ابتعدت هذه العنونة الحداثية عن العناوين التقليدية المباشرة، وأسست لنفسها إيهاما يوحي بالغواية والتأويل المغاير. علاوة على شاعرية تنفلت من الجملة ومدى اتساعها الدلالي [1] .

وهكذا، يتجاوز العنوان الحداثي - تجريبا وتأصيلا- بنية الجملة العنوانية إلى بنية النص، حينما يستصحب العنوان الرئيس العنوان الفرعي، كما في رواية مجيد طوبيا (تغريبة بني حتحوت إلى بلاد الشمال، حيث الملاحم العظيمة والحوادث الجسيمة وخوض الأهوال وانقلاب الأحوال وتسلط الفأر على القط وركوع الأسد للقرد) . [2]

ولم يكتف العنوان بالصورة اللغوية، بل اعتمد كذلك على الصورة البصرية التجريدية ذات الوظائف السيميولوجية. علاوة على ذلك، فلقد هيمنت الصورة- الرؤيا (الرمز- الأسطورة- الفانطاستيك- المفارقة) على معظم عناوين الرواية الجديدة؛ إذ أصبحت لهذه البنية العنوانية وظائف أخرى جديدة، تتطلب قارئا ذكيا يوظف الذهن أكثر من الوجدان، ملما بتقنيات الرواية الحديثة، ومستوعبا لطرائق الكتابة التراثية، ومنفتحا على الرواية العالمية، ومطلعا على مناهج النقد الحديث، كالشعرية، والبنيوية، والسيميوطيقا، ونظريات التأويل والتفكيك.

نقول بكل اختصار: لقد عمدت عناوين الرواية الجديدة إلى التجريب قصد تحقيق الحداثة والعالمية، وعمدت أيضا إلى التأصيل قصد التواصل مع التراث، والانفتاح عليه، وتطعيمه بمفاهيم جديدة، وإشباعه بتصورات معاصرة، بعد القطيعة التي شهدتها الرواية العربية إبان انفتاحها على الغرب لاستيراد أشكال روائية، واسترفاد تقنيات حديثة تقليدا وانبهارا واقتباسا وتمصيرا.

وهذا كله عن الرواية العربية بمحطاتها الكلاسيكية والتجديدية،. فماذا عن الرواية المغربية؟

(1) - شعيب حليفي: نفسه، ص: 99.

(2) - مجيد طوبيا: تغريبة بني حتحوت، بيروت، دار الشروق، الطبعة الأولى، 1988 م.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت