صَلاتُهُمْ تَرَاقِيهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الإسْلامِ كَمَا يَمْرُقُ سَهْمٌ مِنَ الرَّمِيةِ )) [1] .
فالنبي - صلى الله عليه وسلم - يصف هؤلاء القوم بأنهم مارقون عن الدين وعن جماعة المسلمين، أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون: قال الله وقال رسوله، ولكن إيمانهم لا يجاوز حناجرهم وأن عملهم لا يوافق قولهم، فقد روى البخاري عن علي بن أبي طالب - رضي الله عنه - قال: سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يقول: (( سَيَخْرُجُ قَوْمٌ آخِرَ الزَّمَانِ أَحْدَاثُ الأسْنَانِ، سُفَهَاءُ الأَحْلامِ، يَقُولُونَ مِنْ خَيْرِ قَوْلِ الْبَرِيةِ، لا يُجَاوزُ إيمَانُهُمْ حَنَاجِرَهُمْ يَمْرُقُونَ مِنَ الدِّينِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمُ مِنَ الرَّمِيةِ ) ) [2] ، وفي رواية مسلم من حديث أسير بن عمرو عن سهيل بن حنيف عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (( يَتِيهُ قَوْمٌ قِبَلَ الْمَشْرِقِ مُحَلَّقَةٌ رُؤوسهُمْ ) ) [3] .
قال الإمام النووي: (أي يذهبون عن الصواب وعن طريق الحق، يقال: تاه إذا ذهب ولم يهتد لطريق الحق والله أعلم) [4] .
فهؤلاء الخوارج صفتهم أنهم حُرِمُوا معرفة الحق والاهتداء إليه، وأنهم يتدينون بقتل المسلمين ويتركون عبدة الأوثان والصلبان، فقد روى البخاري ومسلم من حديث أبي سعيد الخدري - رضي الله عنه - قال: بعث علي - رضي الله عنه - وهو باليمن بذهبة في تربتها إلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقسّمها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بين أربعة أنفر. فجاء رجل كث اللحية مشرف الوجنتين، ناتئ الجبين، محلوق الرأس، فقال: اتق الله يا محمد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( فَمَنْ يُطِعْ اللهَ إنْ عَصَيْتُهُ، أَيَأْمَنُنِي عَلَى أَهْلِ الأَرْضِ وَلا تَأْمَنُونِي ) )قال: ثم أدبر الرجل، فاستأذن رجل من القوم في قتله يرون أنه خالد بن الوليد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( إِنَّ مِنْ ضِئضئ هَذَا قَوْمًَا يَقْرَؤونَ الْقُرْآنَ لا يُجَاوزُ حَنَاجِرَهُمْ يَقْتُلُونَ أَهْلَ الإِسْلامِ، وَيَدَعُونَ أَهْلَ الأَوْثَانِ يَمْرُقُونَ مِنَ الإسلامِ كَمَا يَمْرُقُ السَّهْمٌ مِنَ الرَّمِيةِ، لَئنْ أَدْرَكْتُهُمْ لأقْتُلَنَّهُمْ قَتْلَ عَادِ ) ) [5] .
وقد حرَّض النبي - صلى الله عليه وسلم - على قتلهم وقتالهم إن هم ظهروا، فإنهم لما ظهروا في زمن الإمام علي - رضي الله عنه - قاتلهم، ولا يزال هؤلاء يظهرون ولكن على أشكال مختلفة، وقد ظهروا اليوم، ليس فرادى وإنما على شكل تنظيمات كبيرة، وبدعم من جهات دولية تبغي القضاء على أهل السنة والجماعة، فقتلوا كثيرًا من المسلمين، واستحلوا أعراضهم وأموالهم، ولاسيما العلماء والمثقفين، وكانت مقولتهم: (إن كانوا من أهل الجنة فقد عجلنا لهم بدخولها وأرحناهم من الدنيا ومتاعبها، وإن كانوا من أهل النار فقد أرحنا العباد منهم) . فهؤلاء شرار الخلق أعاذنا الله منهم ومما يفعلون.
فخوارج اليوم كخوارج الأمس، فهم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، فالصفات واحدة، تنطبق على معظم
(1) صحيح البخاري: 3/ 1321 برقم (3414) ، صحيح مسلم: 2/ 741 برقم 148 - (1064) ، سنن أبي داود: 2/ 657 برقم (657) ، سنن الترمذي: 4/ 481 برقم (2188) ، سنن النسائي: 7/ 119 برقم (4103) ، مسند أحمد: 1/ 156 برقم (1345) .
(2) صحيح البخاري: 6/ 2539 برقم (6531) .
(3) صحيح مسلم: 2/ 756 برقم 160 - (1068) ، مسند أحمد: 2/ 486 برقم (16019) .
(4) شرح صحيح مسلم: 7/ 175.
(5) صحيح البخاري: 3/ 1219 برقم (3166) ، ومسلم 2/ 741 برقم 143 - (1064) ، سنن أبي داود:2/ 656 برقم (4764) ، سنن النسائي: 5/ 87 برقم (2578) ، مسند أحمد: 3/ 4 برقم (11021) . وضئضئ: هو الأصل والعقب، وقيل هو كثرة النسل، وقيل: النسل.