وقال ابن النحاس: (وعلى قول مجاهد: كنتم خير أمة إذ كنتم تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر، وقيل: إنما صارت أمة محمد - صلى الله عليه وسلم - خير أمة، لأن المسلمين منهم أكثروا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فيهم أفشى) [1] .
وقد وردت عدة أحاديث تشير إلى خيرية هذه الأمة، وأنها مستمرة بالعطاء والخيرية حتى قيام الساعة، حيث سيبقى فيها دعاة وعلماء ربانيون مخلصون يعملون بهذه الشروط الثلاثة، وما أن يذهب واحد منهم حتى يخلفه آخر، وهكذا تستمر الخيرية لها، فقد روى الترمذي في تفسير هذه الآية أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( إنْكُمْ تَتِمُونَ سَبْعِينَ أُمَّةٍ، أَنْتُمْ خَيرُهَا وَأكْرَمُهَا عَلَى اللهِ ) ) [2] .
والخيرية سمة هذه الأمة وصفتها على الدوام، فهي - أي الخيرية - تكريم من الله لها، كما في حديث الإمام أحمد، قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (( أُعْطِيتُ مَا لَمْ يُعْطَ أَحْدٌ مِنَ الأَنْبِيَاءِ ) )، فقلنا: يا رسول الله ما هو؟ فقال: (( نُصِرْتُ بِالرُّعْبِ، وَأُعْطِيتُ مَفَاتِيحَ الأرْضِ، وَسُمِيتُ أَحْمَدَ، وَجُعِلَ التُّرَابُ لِي طَهُورًا، وَجُعِلَتْ أُمَّتِي خَيْرَ الأُمَمِ ) ) [3] .
قال سيد قطب: (وهذا ما ينبغي أن تدركه الأمة المسلمة، لتعرف حقيقتها وقيمتها، وتعرف أنها أخرجت لتكون طليعة، ولتكون لها القيادة، بما أنها هي خير أمة، والله يريد أن تكون القيادة للخير لا للشر في هذه الأرض، ومن ثم لا ينبغي لها أن تتلقى من غيرها من أمم الجاهلية، إنما ينبغي دائمًا أن تعطي هذه الأمم مما لديها، وأن يكون لديها دائمًا ما تعطيه من الاعتقاد الصحيح، والتصور الصحيح، والنظام الصحيح، والخلق الصحيح، والمعرفة الصحيحة، والعلم الصحيح، هذا واجبها الذي يحتمه عليها مكانها) [4] .
فخيريتها تتمثل [5] : بإيمانها بالله عز وجل، وأنها أمة تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، وكونها خير الأمم للناس وأنفعها لهم، وكونها أكثر الناس استجابة للأنبياء، وكونها لا تجتمع على ضلالة، وكون الكتاب الذي أنزل عليها خير الكتب السماوية من حيث أنه أحسن الحديث، وأنه الكتاب السماوي الوحيد الذي تكفل الله بحفظه وصيانته من الزيادة والنقصان ومن التحريف والتبديل، وأنه الكتاب المهيمن على الكتب التي قبله، وأنه الكتاب الوحيد الذي تحدى الله البشر بأن يأتوا بسورة من مثله، وكون نبيها أفضل الأنبياء والرسل، وأن الله ختم به الأديان ونسخها، فلا يعبد الله إلاَّ به، وتقديمها على الأمم في الحشر والحساب يوم القيامة ودخول الجنة مع كونها آخر الأمم، وكونها أكثر أهل الجنة.
وهذه الآية تدل على عودة الإسلام وسيادته وظهوره من حيث أن خيريتها تفيد الاستمرار، ولا يعدمها الله سبحانه وتعالى هذه الخيرية، فهي أمة العطاء المستمر الذي لا ينضب ولا ينقطع، وفي المقابل نجد أن الأمم الأخرى يسودها
(1) إعراب القرآن: 1/ 175.
(2) سنن الترمذي: 5/ 211 برقم (3001) وقال: هذا حديث حسن، ووافقه الألباني كما في المشكاة برقم (6285) . .
(3) مسند أحمد: 1/ 98 و 158، قال الهيثمي في مجمع الزوائد: 1/ 265 و 266: وفيه عبد الله بن محمد بن عقيل، وهو سيء الحفظ، قال الترمذي: صدق، وقد تكلم فيه بعض أهل العلم من قبل حفظه، وسمعت محمد بن إسماعيل (البخاري) يقول: كان أحمد بن حنبل وإسحاق بن إبراهيم، والحميدي يحتجون بحديث ابن عقيل، قلت: فالحديث حسن، والله أعلم. ينظر: الوسطية للصلابي: 72.
(4) الظلال: 2/ 32.
(5) الوسطية للصلابي: 72 وما بعدها.