فهرس الكتاب

الصفحة 73 من 133

ويحسم الأمر سيد قطب (رحمه الله) بقوله: (هذا القضاء إخبار من الله تعالى لهم بما سيكون من بني إسرائيل حسب ما وقع في علمه الإلهي من مصيرهم، لا أنه قضاء قهري عليهم تنشأ عن أفعالهم، فالله جل في علاه لا يقضي بالإفساد على أحد من العالمين، ولا هو يأمر به كما نص على ذلك القرآن بقوله: {قَلْ إِنَّ اللهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ} [1] ، إنما يعلم ما سيكون علمه بما هو كائن، فما سيكون كائن) [2] .

ثم يأتي السياق القرآني من نفس سورة الإسراء ليبين لنا كيف أن اليهود لاقوا فيما مضى من العذاب على أيدي عباد الله ما لاقوا نتيجة أفعالهم القبيحة الشنيعة التي كانوا يستحقون عليها الإذلال والتنكيل والعقوبة الحاسمة، وهذا هو حالهم عبر العصور وكر الدهور، حيث نص القرآن الكريم على ذلك قال: {فَإذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيهِمْ عِبَادًا لَنَا أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيارِ وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} [3] .

قال ابن كثير: (قوله {فَإذَا جَاءَ وَعْدُ أُولاهُمَا} أي أولى الإفسادتين {بَعَثْنَا عَلَيهِمْ عِبَادًا لَنَا أُولي بَأْسٍ شَدِيدٍ} أي سلطنا عليكم جندًا من خلقنا أولي بأس شديد {فَجَاسُوا خِلالَ الدِّيارِ} أي تملكوا بلادكم وسلكوا خلال بيوتكم أي بينها ووسطها، وانصرفوا ذاهبين وجائين لا يخافون أحدًا {وَكَانَ وَعْدًا مَفْعُولًا} ، وقد اختلف المفسرون من السلف والخلف في هؤلاء المسلطين عليهم، فعن ابن عباس وقتادة أنه جالوت الجزري وجنوده سلط عليهم أولًا، ثم أديلوا عليه بعد ذلك، وقتل داود جالوت ولهذا قال: {ثُمَّ رَدَدْنَا لَكُمُ الْكَرَّةَ عَلَيْهِمْ} ، وعن سعيد بن جبير أنه ملك الموصل سنحاريب وجنوده، وعنه أيضًا وعن غيره أنه بختنصر ملك بابل ... ) [4] .

قال الشيخ الأشقر في تفسير قوله تعالى: ( {وَلِيَدْخُلُوا الْمَسْجِدَ كَمَا دَخَلُوهُ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَلِيُتَبِّرُوا مَا عَلَوْا تَتْبِيرًا} أي يدمِّروا ويهلكوا،(ما علو) أي ما غلبوا عليه من بلادكم أو مدة علوهم، (تتبيرًا) أي تدميرًا، ويقول بعض العلماء: إن المرة الثانية: هي هذه التي حصلت في هذا العصر، وأن التتبير آت بوسائل من جهة العلو كالطائرات وغيرها) [5] .

ولا يهمنا من هو، ولكن الذي يهمنا من ذلك كله أنهم مهما بالغوا في الإفساد والرذيلة، فإن الله عز وجل سيسلط عليهم من يسومهم سوء العذاب، ومن رحمة الله على خلقه أنه يمنحهم الفرص تلو الفرص للعودة إليه والتوبة، ولكن اليهود لا ينفعهم الإمهال فقد غلّفت قلوبهم وانطوت على الباطل وفعل المنكرات، وهذا طَبْعٌ في نفوسهم المريضة إلى أن يأذن الله عز وجل بنهايتهم على أيدي المؤمنين الموحدين، قال تعالى: فَلَمَّا عَتَوْا عَمَّا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِردَةً خَاسِئِينَ - وَإِذْ تَأَذَنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ

(1) الأعراف:28.

(2) الظلال: 5/ 307.

(3) الإسراء: 5.

(4) تفسير ابن كثير: 3/ 25.

(5) زبدة التفسير من فتح القدير: ط 2 (1408 هـ-1988 م) ، الكويت، ص: 364.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت