فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 133

فقد قال الزرقاني: (بلاغة القرآن الكريم إلى حد فاق كل بيان، وأخرس كل لسان، وأسكت كل معارض ومكابر، وهدم كل مجادل ومهاتر، حتى قام ولا يزال يقوم في فم الدنيا معجزة من الله لحبيبه، وآية من الحق لتأييد رسوله، وبعد كلام الله في إعجازه وبلاغته) [1] .

فالقرآن سيبقى متحديًا لأهل الفصاحة والبلاغة ممن يتكلمون العربية إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها .. وهذا التحدي هو قديم قدم تنزل القرآن على النبي - صلى الله عليه وسلم -، قال الله تعالى: {قُلْ لَئِنْ اجْتَمَعَتِ الإنْسُ وَالْجِنُّ عَلَى أَنْ يَأْتُوا بِمِثْلِ هَذَا الْقُرَآنِ لاَ يَأْتُونَ بِمِثلِهِ وَلَوْ كَانَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ ظَهِيرًا} [2] ، وقد تحداهم بالإتيان بمثله، أو بعشر سور منه {قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ} [3] ، أو بسورة واحدة {قُلْ فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِثْلِهِ} [4] ، بل تحداهم إلى أصغر من ذلك أن يأتوا ولو بآية ولكنهم عجزوا عن ذلك ولم يستطيعوا، فالقرآن العظيم تحداهم لغويًا رغم فصاحة لسانهم ولكنهم لم يقدروا على ذلك وخارت عزائمهم وقواهم البلاغية والكلامية.

قال الدمشقي: (فلما عجزوا - وهم فصحاء العرب مع شدة العداوة - عن الإتيان بسورة مثله، تبين صدق الرسول - صلى الله عليه وسلم - أنه من عند الله، وإعجازه من جهة نظمه ومعناه، لا من جهة أحدهما فقط، هذا مع أنه قرآن عربي غير ذي عوج بلسان عربي مبين، أي باللغة العربية) [5] .

فهذا الإعجاز اللغوي والبياني لا يكون من ناحية الحروف والكلمات فحسب، إنما الإعجاز يكون من ناحية التكلم، ومن ناحية النظم والأسلوب والجزالة والمعنى، فلو نظرنا إلى أوائل السور القرآنية فإن الإشارة تكون بالحروف المقطعة، فقد اختلف علماء التفسير في الحكمة من الابتداء بتلكم الحروف، وقد يطول الكلام حول تفسيرها ومراد الله منها.

قال الدمشقي (رحمه الله) : (وإلى هذا وقعت الإشارة بالحروف المقطعة في أوائل السور، أي: أنه في أسلوب كلامهم وبلغتهم التي يتخاطبون بها، ألا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن؟ كما في قوله تعالى: {الم - ذَلِكَ الْكِتَابُ لاَ رَيْبَ فِيهِ} [6] .... وكذلك الباقي، ينبههم أن هذا الرسول الكريم لم يأتكم بما لا تعرفونه، بل خاطبكم بلسانكم) [7] .

وقال سيد قطب (رحمه الله) : (ومثل هذه الحروف يجيء في مقدمة بعض السور القرآنية، وقد وردت في تفسيرها وجوه كثيرة، نختار منها: إنها إشارة للتنبيه إلى أن هذا الكتاب مؤلف من جنس هذه الأحرف، وهي في متناول

(1) مناهل العرفان في علوم القرآن: 1/ 289.

(2) الإسراء: 88.

(3) هود: 13.

(4) يونس: 38.

(5) شرح العقيدة الطحاوية: ج 1 ص 205.

(6) البقرة: 1 - 2.

(7) شرح العقيدة الطحاوية: ج 1 ص 205.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت