فهرس الكتاب

الصفحة 51 من 251

اذن فالعولمة كظاهرة لها مدلولات سياسية وتعتمد مفاهيم اقتصادية متداخلة، ولها

انعكاسات وسلبيات اجتماعية وثقافية متباينة. ومن خلال التناقض الواضح ما بين من يؤيد ومن يشجب هذه العولمة الأمريكية (*) ، نجد انه من الصعوبة بمكان تحديد تعريف دقيق وجامع لها، لكون كل مختص يسعى لطرحه من خلال رؤيته الخاصة، الا ان التركيز الواضح ينحصر في الأبعاد الاقتصادية لهذه الظاهرة- إن صح التعبير - والتي لا تنطوي على آثار اقتصادية فحسب بل اجتماعية وثقافية وسياسية ايضا. ان بعض المحللين يرى في العولمة ظاهرة جديدة تمثل إمبراطورية القرن الحادي والعشرين، وهي لا تتطلب تعيين حكام تابعين للدول المهيمنة ولا تحتاج للسيطرة المباشرة، بل تفرض ارادتها على الدول التابعة من خلال التحكم عن بعد، فتتحكم بها عن طريق اجراءات اقتصادية تجعل البلد التابع مغلوب على أمره، دون أن تظهر اية علامات مباشرة تدل على ان هذا البلد تابع لقوى دولية خارجية كما هي الحال بالنسبة للعديد من بلدان العالم الثالث (1)

والعولمة بصفتها ظاهرة هي ابعد من ذلك، لان العالم يمر بين الحين والآخر بمرحلة انتقال من حالة إلى حالة اخرى قد لا يستطيع الباحث في هذا المجال أن يحدد بدقة شكلها ولا محتواها ولا طبيعة العلاقات الاقتصادية والسياسية التي ستربط اقطاب ومراكز القوى المهيمنة في الحالة الجديدة الناشئة.

أن أهم مراكز هذه الإمبراطورية هي العواصم الصناعية الكبرى، إذ تسعى هذه العواصم الى ضم البلدان النامية ضمن هذه الإمبراطورية، مع الإبقاء على دورها الهامشي غير المؤثر في بناء أي نظام دولي، لتبقى محل تجارب اقتصادية وسياسية واجتماعية وعسكرية من ناحية، وبلدان مستضعفة سلبية الموارد والحقوق لا تجني الا سلبيات هذا النظام أو ذاك من ناحية أخرى، وأزمة جنوب شرق آسيا دليل واضح

(*) حيث أن هذه العولمة تختلف من حيث المضمون عن تلك العولمة التي دعا الإسلام الى تطبيقها (عالمية الإسلام) ، من خلال نشر شريعته السمحاء وقيمها الإنسانية العادلة على المستوى العالمي، وجدير بالذكر أن عالمية الإسلام هي الحتمية التاريخية وليس غيرها. قال تعالى:"ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر ان الأرض يرثها عبادي الصالحون" (الآية 105 من سورة الأنبياء) .

(1) د. علي احمد عتيقة، ماذا يعني القرن الحادي والعشرين؟، مجلة المنتدى، العدد 138، عمان، آذار (1997) ، ص 3.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت