رأس المال التجاري وتحويله بعدئذ إلى استثمارات صناعية، اضافة للدور الذي ادته الدول الرأسمالية البازغة في معظم هذه البلدان والمتمثلة في عدد من المجمعات الصناعية الكبرى في عملية النهضة الصناعية والقفزة التصديرية، ليعقب ذلك كله تحولات في الهيكل التركيبي للانتاج، إذ ساد الاعتماد على الصناعات الثقيلة ذات الرأسمال الكثيف بدلا من الاعتماد على الصناعات ذات العمالة الكثيفة (4) . فبعد أن أدركت هذه البلدان أن الميزة النسبية التي تمتلكها في مجال العمل الرخيص بدأت تتراجع، سعت بالانتقال إلى صناعات أكثر كثافة لرأس المال، وحمل هذا التوجه شعار (الدخول إلى الثورة الصناعية الثانية) وبذلك شقت التجربة الآسيوية طريقة آخر في مجال الصناعات التصديرية وذلك بتنويع عملياتها الاقتصادية التصديرية، متجهة بشكل تدريجي إلى تصنيع منتجات أكثر تعقيدة، واستطاعت بذلك أن تتجاوز الفرضيات الريکاردية حول فكرة تقسيم العمل بين البلدان الصناعية الموفرة لرأس المال والبلدان الفقيرة التي تختص بتوفير الأيدي العاملة، فقد استطاعت هذه البلدان أن تنتقل خلال ثلاثة عقود من هيكلية اقتصادية متمحورة حول الصناعات البسيطة (نسيج ولعب ومنتجات جلدية. الخ) إلى قطاعات إنتاجية أكثر تعقيدة ابتداء من الصناعات الثقيلة بناء السفن وصناعة الصلب والبتروكيمياويات)، مرورا بالسيارات ووصولا إلى الصناعات التي تتطلب تقنيات متطورة جدا. (1)
وكان لنجاح هذه البلدان في التوظيف الجيد لعناصر السوق مع تطبيق استراتيجية التصنيع من اجل التصدير الأثر البالغ في توليد وخلق إنتاجية عالية وكفوءة، وكما أدى هذا التوجه في سياسة التصنيع دورا بارزا في دفع التدفقات الاستثمارية الداخلة إلى هذه البلدان للاستثمار في الصناعات التصديرية الأمر الذي ادى وبشكل ايجابي الى تطور هذه الصناعات ومن ثم التطور الاقتصادي الذي عزز الجهود التنموية في هذه البلدان، ففي كوريا الجنوبية على سبيل المثال لم تكن الصادرات تزيد عن (33) مليون دولار في عام (1960) ، قفزت إلى (130) مليار دولار في نهاية عام (1996) . وكان المستويات الأجور المنخفضة نسبيا في بداية مرحلة التصنيع دورة في نجاح الصناعات
(4) د. جاسم المناعي، مصدر سبق ذكره، ص 6.
(1) طارق عبد الله، مصدر سبق ذكره، ص 37