هذا ما رأينا أن نرد به على ما احتج به خليفات على حرمة التقليد، وما تركنا الكلام فيه فإما أنه لا يفيد للاحتجاج أو أن الإجابة عنه وقعت في الإجابة عن غيره، والله تعالى الموفق.
قوله تحت عنوان"من نقلد؟":"بعد التغاضي عن أقوال الأئمة في النهي عن تقليدهم، وعلى فرض وجود دليل، لكن من نقلد منهم؟ أبا حنيفة أم مالكًا أم الشافعيّ أم أحمد؟ إن المرجح مفقود، والترجيح بلا مرجح فاسد عقلًا وشرعًا. وإذا قلدنا الشافعي مثلًا ألا يعني أننا وضعنا على الآخرين علامة استفهام؟ والملاحظ أن مذهب الأشعري الفقهي محل خلاف، فالحنفية يقولون كان حنفيًا، والمالكية يجعلونه مالكيًا، وكذا الشافعية!". اهـ
أجيب بأن الترجح بلا مرجح محال عقلًا، ومعناه لا رجحان لأحد الجائزات المتساوية المتضادة عند القابل لها بلا مرجح، ولو كانت الحال كذلك في المذاهب الأربعة بالنسبة للإنسان لتوقف عن أن يأخذ بأي منها إلى يوم القيامة، لأن تصور أخذه من أيها مع تساويها عنده من كل وجه هو محال عقلًا. والدليل على فساد قولك أنا نرى في الشاهد أن الناس تتبع لمذاهب دون أخرى أو تأخذ من غير واحد منها مما يدل على وجود المرجح. ومن المرجحات لذلك وجود المفتين في كل منطقة، وثقة المستفتي بالمفتي، وقوة الدليل في مذهب، وضعف الدليل في آخر، واشتهار مذهب بعينه دون ما عداه في بعض الأمصار فينشأ الناس من حداثة سنهم على اتباعه والثقة به، وشهرة إمام مذهب ما في زمان ما بسعة علمه وورعه، إلخ من المرجحات التي تتدافع إلى الذهن عند التفكير في ما يحمل الناس على اعتناق مذهب دون آخر.