ولهذا كله تحامل بعض الإيرانيين المحدثين على السلطان محمود وحاولوا الغض من روعة جهاده وفتوحاته بتشويه تاريخه، وإذا كانت الحقيقة العلمية هي غاية الدارسين فينبغي أن نقرر أن السلطان محمود الغزنوي من أعظم حكام المسلمين وأبطالهم الذين أبلوا بلاء حسنًا في نصرة الإسلام ونشره في الآفاق، وساهموا في بناء الحضارة الإسلامية بتشجيعه لبُناتها من العلماء والأدباء كما أنه خدم اللغة الفارسية وآدابها وقد شهد عصر محمود الغزنوي ظهور قوة تركية جديدة وهي السلاجقة، ومن الحق أن نقرر أن خروج الطوائف التركية من مواطنها الأصلية- في وسط آسيا- وتسربها أحيانًا، واندفاعها أحيانًا أخرى إلى غربي آسيا وشرقي أوروبا ووسطها من الحركات العالمية التي شهدها التاريخ (1) - كما يعبر عنها الدكتور عبد النعيم حسنين (2) - وهي حركة استمرت سبعة قرون من القرن الرابع الهجري ( العاشر الميلادي) إلى القرن الحادي عشر الهجري (السابع عشر الميلادي) .
لقد كانت موقعة ملازكرد (3) من المواقع الحاسمة في التاريخ الإسلامي بعامة وفي تاريخ غربي آسيا بخاصة، لأنها زعزعت أركان دولة الروم، وقضت على نفوذهم في أكثر أجزاء آسيا الصغرى بعد ذلك، فكانت- لهذا- بعيدة الأثر في مختلف نواحي الحضارة في هذه المنطقة، فقد أدى أفول نجم الروم من أفق منطقة آسيا الصغرى إلى انكماش نفوذهم حين أخذت أجزاء كبيرة من بلاد الروم تفلت من أيديهم وتنضم إلى العالم الإسلامي، مما أدى إلى حلول الحضارة الإسلامية محل الحضارة اليونانية النصرانية، وصارت هذه المنطقة من بلاد المسلمين، وصار أهلها يتبعون مذهب أهل السنة الذي كان متبعًا في إيران، حيث كان المسلمون يدينون بالطاعة والولاء للخليفة العباسي الذي كان مقره في بغداد عاصمة دولة الخلافة. كما أخذت اللغة الفارسية تنتشر في ربوع آسيا الصغرى لأنها كانت لغة الجنود الذين فتحوا هذه البلاد، وهي اللغة الإسلامية التي تلي العربية في أهميتها.