فهرس الكتاب
ويقول في مكان آخر: إن ابن سينا أحدث فلسفة ركبها من كلام سلفه اليونان مما أخذه من أهل الكلام المبتدعين الجهمية (2) ونحوهم وسلك طريق الملاحدة الإسماعيلية في كثير من أمورهم العلمية والعملية ومزجه بشيء من كلام الصوفية، وحقيقته في زمنه ودينهم دين"رسائل إخوان الصفا" (3) وأمثالهم من أئمة منافقي الأمم الذين ليسوا مسلمين ولا يهود ولا نصارى (4) . وتكلم ابن سينا في النبوات والكرامات ومقامات العارفين، بكلام فيه شرف ورفعة بالنسبة إلى كلام المتقدمين من الفلاسفة، وإن كان عند العلوم الإلهية النبوية، فيه من القصور والتقصير والنفاق والجهل والضلال والكفر، ما لا يخفي على من له أدنى بصيرة بالعلم والإيمان، ومن سلك طريق المتفلسفة فقد أعجب به لأنه قرب إليهم معرفة الله والنبوات والمعجزات والولاية بحسب اصول الصابئة والفلاسفة -لا بحسب الحق نفسه- بما اضفناه على جهالاتهم من نور الرسالة برهان النبوة (1) كما فعله نسطور النصراني الذي كان في زمن المأمون (2) وإليه تنسب النسطورية (3) في التثليث والاتحاد، لكنه بما اضاء عليه من نور المسلمين أزال كثيرا من فساد عقيدة النصرانية، وبقي عليها منها بقايا عظيمة وكذلك يحيى بن عدي (4) النصراني لما تفلسف، قرب مذهب النصارى في التثليث إلى اصول الفلاسفة في العقل والمعقول، هؤلاء الفلاسفة المحضة، الباقون على محض المشائين -يرون ان ابن سينا صانع المليين، لما رأوا من تقريبه، وجهلوا فيما قالوا، وكذبوا، لم يصانع -ولكن قال بموجب الحق وبموافقة اصولهم العقلية- ما قاله من الحق الذي أقر به (5) .