الإيرانيون الذين ظهروا في الحياة السياسية على النحو الذي رأيناه في العصر العباسي الأول وجدوا من الخلفاء في هذا العصر القوة التي تلزمهم حدود الطاعة، ولا تبيح لهم من السلطات إلا ما يحفظ فعاليتها ويبقى على سلطانها وانطلقوا صعودًا (1) بعد أن ضعفت الخلافة العباسية على النحو الذي بيناه ولم يستطع أحد من الخلفاء أن يوقف هذه الموجات الإستقلالية على نحو ما فعل خلفاء العصر العباسي الأول فظهر أولًا الطاهريون (205-259هـ) في خراسان والصفاريون (254-290 هـ) في سجستان (سيستان) والسامانيون (279-378هـ) في خراسان والزياريون (376-426 هجري) في طبرستان، وفي ظهور هذه الإمارات تم إحياء كثير من التقاليد الإيرانية القديمة (2) .
بادئ ذي بدء ليس القصد أن ندرس تاريخ الإمارات المستقلة وما صحب ظهورها من أحداث سياسية دراسة مفصلة لأننا في الفصل القادم سوف نتعرض لهذه الإمارات كلها، إنما القصد أن نكشف في خطوط عامة طبيعة هذا الدور من الظهور السياسي الذي بدأ بظهور الطاهريين وانتهى بسيطرة البويهيين على إيران كلها، وكيف كان ظهور هذه الدول وتفكير مؤسسيها السياسي تعبيرًا لا شك فيه، عن قومية إيرانية واضحة (3) .
وأول ما يلاحظ أن جميع هؤلاء المؤسسين كانوا مجرد ولاة من الفرس انتهزوا فرصة ضعف الخلافة العباسية وحصلوا على الإستقلال، وتوارثه أبناؤهم بعدهم أو بعض أهل بيتهم، وخضعوا -إسميًا- للخلافة العباسية ولكن نفوذهم السياسي لم يتجاوز هذا الحد بدليل الألقاب التي اتخذوها والتي نقشوها على النقود، فلم يلقبوا بألقاب السلاطين إنما ظل الواحد منهم يلقب الأمير أو الملك (4) .