وأما المسائل الخفية، فالشيخ لا يشترط بلوغ القرآن فقط كما في المسائل الظاهرة؛ بل لا بد من تحقُّق الشروط، وإزالة الشبهات، وانتفاء الموانع، وهذا ما يعبِّر عنه هو وغيره بـ (الفهم) ، فمتى ما خلا العبد من الشبهات والموانع، حكم عليه بالكفر إذا وقع فيه.
فإقامة الحجة عند الشيخ في المسائل الظاهرة، تكون ببلوغ القرآن فقط، حتى وإن لم تزل الشبهات وتنتفِ الموانع، وأما إقامة الحجة في المسائل الخفية، فيشترط فيها بلوغ القرآن وفهمه.
هذا ملخص قول الإمام في هذه المسألة، وإليك - أخي القارئ - بعضَ نصوص الإمام - رحمه الله - التي تبيّن لك مذهبه في المسألة:
قال الشيخ رحمه الله في رسالته إلى الإخوان:
بسم الله الرحمن الرحيم
إلى الإخوان، سلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد، ما ذكرتم من قول الشيخ: كل من جحد كذا وكذا، وقامت عليه الحجة، وأنكم شاكُّون في هؤلاء الطواغيت وأتباعهم، هل قامت عليهم الحجة؟ فهذا من العجب؛ كيف تشكون في هذا وقد أوضحته لكم مرارًا؟!
فإن الذي لم تقم عليه الحجة هو الذي كان حديث عهد بالإسلام، والذي نشأ ببادية بعيدة، أو يكون ذلك في مسألة خفية، مثل الصَّرْف والعَطْف، فلا يكفَّر حتى يعرَّف، وأما أصول الدين التي أوضحها الله وأحكمها في كتابه، فإن حجة الله هو القرآن، فمن بلغه القرآن فقد بلغتْه الحجة.
ولكن أصل الإشكال أنكم لم تفرِّقوا بين قيام الحجة وبين فَهْم الحجة؛ فإن أكثر الكفار والمنافقين من المسلمين لم يفهموا حجة الله مع قيامها عليهم؛ كما قال - تعالى: ? أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا ? [الفرقان: 44] ، وقيام الحجة نوع، وبلوغها نوع، وقد قامتْ عليهم، وفَهْمُهم إياها نوعٌ آخر، وكُفْرُهم ببلوغها إياهم وإن لم يفهموها.