فقلت في نفسي: هذا عبد صالح قد نطق على ما في خاطري، لألحقنه ولأسألنَّه أن يحاللني، فغاب على عيني، فلما نزلنا واقصة إذا به يصلي، وأعضاؤه تضطرب، ودموعه تتحادر، فقلت: أمضي إليه وأعتذر، فأوجز في صلاته، ثم قال: يا شقيق: {وَإِنِّي غَفَّارٌ لِمَنْ تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا ثُمَّ اهْتَدَى} (1) فقلت: هذا من الإبدال، قد تكلم على سرِّي مرتين. فلما نزلنا زبالة إذا به قائم على البئر وبيده ركوة يريد ان يسقي ماء فسقطت الركوة من يده في البئر فرفع طرفه إلى السماء وقال:
أنت ربي إذا ظمئت إلى الما ء وقوتي إذا أردت الطعاما
(1) 1) الآية 82 من سورة طه.
يا سيدي مالي سواها قال شقيق: فوالله لقد رأيت البئر قد ارتفع ماؤها فاخذ الركوة وملأها وتوضأ وصلى أربع ركعات، ثم مال إلى كثيب رمل هناك، فجعل يقبض بيده ويطرحه في الركوة ويشرب فقلت: أطعمني من فضل ما رزقك الله أوما أنعم الله عليك، فقال: يا شقيق لم تزل نعم الله علينا ظاهرة وباطنة فأحسن ظنك بربك، ثم ناولني الركوة فشربت منها فإذا هوسويق وسكر، ما شربت والله ألذ منه ولا أطيب منه ريحا فشبعت ورويت. وأقمت أياما لا أشتهي طعاما ولا شرابا، ثم لم أره حتى دخلت مكة، فرأيته ليلة إلى جانب قبة الميزاب نصف الليل يصلِّي بخشوع وأنين وبكاء، فلم يزل كذلك حتى ذهب الليل، فلما طلع الفجر جلس في مصلاه يسبح، ثم قام إلى صلاة الفجر، وطاف بالبيت أسبوعا، وخرج فتبعته، فإذا له حاشية وأموال وغلمان، وهوعلى خلاف ما رأيته في الطريق، ودار به الناس يسلِّمون عليه ويتبركون به، فقلت لهم: من هذا؟ قالوا موسى بن جعفر، فقلت: قد عجبت أن تكون هذه العجائب إلا لمثل هذا السيد. هذا رواه الحنبلي.