الثالث: أن قوله: (( هؤلاء الأئمة ) )إن أراد بذلك أنهم كانوا ذوى سلطان وقدرة معهم السيف، فهذا كذب ظاهر، وهم لا يدَّعون ذلك، بل يقولون: إنهم عاجزون ممنوعون مغلوبون مع الظالمين، لم يتمكن أحد منهم من الإمامة، إلاّ عليّ بن أبي طالب، مع أن الأمور استصعبت عليه، ونصف الأمة - أوأقل أوأكثر - لم يبايعوه، بل كثير منهم قاتلوه وقاتلهم، وكثير منهم لم يقاتلوه ولم يقاتلوا معه، وفي هؤلاء من هوأفضل من الذين قاتلوه وقاتلوا معه، وكان فيهم من فضلاء المسلمين من لم يكن مع عليّ مثلهم، بل الذين تخلَّفوا عن القتال معه وله كانوا أفضل ممن قاتله وقاتل معه.
وإن أراد أنه كان لهم علم ودين يستحقون به أوكانوا أئمة، فهذه الدعوى إذا صحت لا تُوجب كونهم أئمة يجب على الناس طاعتهم، كما أن استحقاق الرجل أن يكون إمام مسجد لا يجعله إماما، واستحقاقه أن يكون قاضيا لا يصيِّره قاضيا، واستحقاقه أن يكون أمير الحرب لا يجعله أمير الحرب. والصلاة لا تصح إلا خلف من يكون إماما. وكذلك الحكم بين الناس إنما يفصله ذوسلطان وقدرة لا من يستحق أن يولَّى القضاء، وكذلك الجند إنما يقاتلون مع أمير عليهم لا مع من لم يؤمَّر وإن كان يستحق أن يؤمَّر.
الوجه الرابع: أن يقال ما تعنون بالاستحقاق؟ أتعنون أن الواحد من هؤلاء كان يجب أن يولى الإمامة دون سائر قريش؟ أم تريدون أن الواحد منهم من جملة من يصلح للخلافة؟ فإن أردتم الأول فهوممنوع مردود، وإن أردتم الثاني فذلك قدر مشترك بينهم وبين خلق كثير من قريش.
الوجه الخامس: أن يقال الإمام هوالذى يؤتم به وذلك على وجهين: أحدها: أن يرجع إليه في العلم والدين بحيث يطاع باختيار المطيع، لكونه عالما بأمر الله عزوجل آمرا به، فيطيعه المطيع لذلك، وإن كان عاجزا عن إلزامه الطاعة.
والثاني: أن يكون صاحب يد وسيف، بحيث يطاع طوعا وكرها لكونه قادرا على إلزام المطيع بالطاعة.