الوجه الثامن: أن يقال: دعوى كون جميع الخلفاء كانوا مشتغلين بما ذكره من الخمور والفجور كذب عليهم، والحكايات المنقولة في ذلك فيها ما هوكذب، وقد عُلم أن فيهم العدْل الزاهد كعمر بن عبد العزيز والمهدى بالله، وأكثرهم لم يكن مظهرًا لهذه المنكرات من خلفاء بني أمية وبني العباس، وإن كان أحدهم قد يُبتلى ببعض الذنوب، وقد يكون تاب منها، وقد يكون له حسنات كثيرة تمحوتلك السيئات، وقد يُبتلى بمصائب تكفِّر عنه خطاياه. ففي الجملة الملوك حسناتهم كبار وسيئاتهم كبار، والواحد من هؤلاء وإن كان له ذنوب ومعاص لا تكون لآحاد المؤمنين، فلهم من الحسنات ما ليس لآحاد المسلمين: من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإقامة الحدود، وجهاد العدو، وإيصال كثير من الحقوق إلى مستحقيها، ومنع كثير من الظلم، وإقامة كثير من العدل.
ونحن لا نقول: إنهم كانوا سالمين من المظالم والذنوب، كما لا نقول: إن أكثر المسلمين كانوا سالمين من ذلك، لكن نقول: وجود الظلم والمعاصي من بعض المسلمين وولاة أمورهم وعامتهم لا يمنع أن يشارك فيما يعمله من طاعة الله.
وإن قال: مرادى بهؤلاء الأئمة الاثنا عشر. قيل له: ما رواه عليّ بن الحسين وأبوجعفر وأمثالهما من حديث جدهم، فمقبول منهم كما يرويه أمثاله. ولولا أن الناس وجدوا عند مالك والشافعي وأحمد أكثر مما وجدوه عند موسى بن جعفر، وعلي بن موسى، ومحمد بن علي، لما عدلوا عن هؤلاء إلى هؤلاء. وإلا فأي غرض لأهل العلم والدين أن يعدلوا عن موسى بن جعفر إلى مالك بن أنس، وكلاهما من بلد واحد، في عصر واحد؟