فإن زعم زاعم أنه كان عندهم من العلم المخزون ما ليس عند أولئك لكن كانوا يكتمونه، فأي فائدة للناس في علم يكتمونه؟ فعلم لا يَقال به ككنز لا يُنفق منه، وكيف يأتم الناس بمن لا يبين لهم العلم المكتوم، كالإمام المعدوم، وكلاهما لا يُنتفع به، ولا يحصل به لطف ولا مصلحة. وإن قالوا: بل كانوا يبينون ذلك لخواصّهم دون هؤلاء الأئمة. قيل: أولا: هذا كذب عليهم، فإن جعفر بن محمد لم يجيء بعده مثله. وقد أخذ العلم عنه هؤلاء الأئمة، كمالك، وابن عيينة، والثوري، وابن جريج، ويحيى بن سعيد، وأمثالهم من العلماء المشاهير الأعيان.
ثم من ظن بهؤلاء السادة أنهم يكتمون علمهم ويخصّون به قوما مجهولين ليس لهم في الأمة لسان صدق، فقد أساء الظن بهم؛ فإن في هؤلاء من المحبة لله ولرسوله، والطاعة له، والرغبة في حفظ دينه وتبليغه، وموالاة من والاه، ومعاداة من عاداه، وصيانته عن الزيادة والنقصان، ما لا يوجد قريب منه لأحد من شيوخ الشيعة. وهذا أمر معلوم بالضرورة لمن عرف هؤلاء وهؤلاء. واعتبر هذا مما تجده في كل زمان من شيوخ السنة وشيوخ الرافضة، كمصنِّف هذا الكتاب، فإنه عند الإمامية أفضلهم في زمانه، بل يقول بعض الناس: ليس في بلاد المشرق أفضل منه في جنس العلوم مطلقا. ومع هذا فكلامه يدل على أنه من أجهل خلق الله بحال النبي (وأقواله وأعماله، فيروى الكذب الذي يظهر أنه كذب من وجوه كثيرة، فإن كان عالما بأنه كذب، فقد ثبت عنه (أنه قال:(( من حدَّث عني بحديث وهويرى أنه كذب فهوأحد الكاذبين ) )وإن كان جاهلا بذلك دلّ على أنه من أجهل الناس بأحوال النبي (كما قيل:
فإن كنت لا تدري فتلك مصيبة وإن كنت تدري فالمصيبة أعظم
(فصل)