فهرس الكتاب
وهذا المثل المضروب بين الشاتين هو الذي يجعلنا نفهم حقيقة القصاص بين الإنسان والأرض والذي يقتضي أن يكون الإنسان مذللًا للأرض كما كانت الأرض مذللة له.
أما السبب في أن خضوع النوع الإنساني للأرض قد تمثل في جيل واحد من هذا النوع وهو الجيل الأخير منه، فهو أن هذا الجيل هو أكثر الأجيال استغراقا في الظن بأنه قادر على الأرض، ودليل ذلك هو قول الله عز وجل: {حَتَّى إِذَا أَخَذَتِ الْأَرْضُ زُخْرُفَهَا وَازَّيَّنَتْ وَظَنَّ أَهْلُهَا أَنَّهُمْ قَادِرُونَ عَلَيْهَا أَتَاهَا أَمْرُنَا لَيْلًا أَوْ نَهَارًا فَجَعَلْنَاهَا حَصِيدًا كَأَنْ لَمْ تَغْنَ بِالْأَمْسِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ (24) } (يونس:24) ، لتكون الأرض بعد تولد الدابة منها قادرة على البشر كما ظنوا أنهم قادرون عليها.
غير أن العلاقة بين الإنسان والأرض ليست منحصرة بصورة كلية في الدابة في آخر الزمان، فهناك علاقة لا يستثنى منها بشر، وهي: «ضمة القبر» ، وهذا فعل الأرض التي تستقبل جزءًا ناقصًا منها، عاد إليها، فعلى الرغم من أنه لن يستثنى منها أحد إلا أن الضمة ستكون متناسبة مع العمل، حتى أنها قد تجعل ضلوع العبد تختلف وتتداخل في جسده، كما أخبر بذلك رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إذا قبر الميت أو قال أحدكم أتاه ملكان وفيه وإن كان منافقًا قال: سمعت الناس يقولون فقلت مثله لا أدري فيقولون: قد كنا نعلم أنك تقول ذلك فيقال للأرض: التئمى عليه فتلتئم عليه، فتختلف فيها أضلاعه فلا يزال فيها معذبًا حتى يبعثه الله من مضجعه ذلك» [1] .
ويدل على نيابة الدابة عن الأرض في الشهود على الإنسان وفي ختم أعماله، الخروج المتعددة للدابة من مواضع شتى منها، وذلك ما أخبر به النبي - صلى الله عليه وسلم: «يكون للدابة ثلاث
(1) أخرجه الترمذى برقم: (1071) .