وأخرجهم من حصونهم، وهي الواقعة التي نزلت فيها الآية: {هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ} (الحشر:2) . ووجه دلالة الواقعة على التقارب بين البعثة وبين علامات الساعة، هو أن إجلاء بني النضير عن المدينة هو بداية حقيقية لإحدى العلامات الكبرى للساعة، وهي خروج نار من قعر عدن تحشر الناس إلى أرض المحشر، وذلك أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما طردهم من المدينة سألوه: إلى أين؟ قال: «إلى أرض المحشر» [1] ، وعن الحسن أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما أجلى بني النضير، قال: «هذا أول الحشر، وأنا على الأثر» [2] .
وليست وجهة حشر يهود بني النضير فقط هي وجه التماثل بين واقعة إجلاءهم وبين الحشر العام يوم القيامة، بل إن كيفية هذا الإجلاء أيضا يعطي ذلك التماثل عمقا آخر، فعن معاوية بن حيدة رضي الله عنه أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: «يحشر الناس على ثلاث طرائق: راغبين راهبين، واثنان على بعير، وثلاثة على بعير، وأربعة على بعير، وعشرة على بعير، وتحشر بقيتهم النار، تقيل معهم حيث قالوا، وتبيت معهم حيث باتوا، وتصبح معهم حيث أصبحوا، وتمسي معهم حيث أمسوا» [3] ، وهو وصف يقابل الكيفية التي أجلى بها النبي - صلى الله عليه وسلم - بني النضير إلى أرض الشام حيث نقل ابن كثير في تفسير آية الحشر قولا ابن أبي حاتم فقال: «صالح رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بني النضير بعد أن غدروا به
(1) ذكره ابن أبي حاتم في تفسيره في قوله «هو الذي أخرج الذين كفروا » الآية «ح 18850» .
(2) تفسير الطبري (28/ 20) ورواه ابن سعد في الطبقات (2/ 42) عن هوذة ابن خليفة، عن عوف، عن الحسن به وهو مرسل.
(3) صحيح البخاري برقم: 6522.