الفتنة، فكان لابد من إثبات أن الإحياء والإماتة على وجه الحقيقة هي لله، وإن كان الدجال سيقتل رجلًا ثم يحييه، فإنما سيكون ذلك بأمر الله، فتنة وابتلاءً.
ولابد أن نؤمن بالإحكام في أقدار الله؛ حتى لا نتساءل عن الأجل المكتوب فيمن يميته الدجال ثم يحييه، فالله يمحو ما يشاء ويثبت وعنده أم الكتاب.
{أَمْرًا مِنْ عِنْدِنَا إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ (5) } (الدخان:5) . ويتمم معنى كلمة «يُفْرَقُ» وكلمة «حَكِيمٍ» كلمة «أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا» ، فكما عالجت الآية السابقة أمر الفرقان والإحكام، تعالج هذه الآية أمرا آخر وهو أن أعمال الدجال بكل ما يوهم فيها بأن الدجال يملك أمورا ليست للبشر، لا تخرج عن قدر الله، مما يتطلب الإيمان بأن ذلك من أمر الله، ومن عند الله، ومن هنا كان قول الله في الآية: «أَمْرًا مِّنْ عِندِنَا» .
{إِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ} .
والرسالة هي المواجهة الكاملة مع الدجال، ولهذا قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «إن يخرج وأنا فيكم فأنا حجيجكم، وإن يخرج ولست فيكم فكل امرئ حجيج نفسه، والله خليفتي على كل مسلم» [1] ، ولكن الفرقان والإحكام في أمر الله يقتضي ألا يُترك الناس لهذه الفتنة، فكان لابد من إرسال المرسلين.
فالرسالة والنبوة هي التي تحقق في حياة الناس الفرقان، ولما كان الفرقان يتنافى مع الدجال وأفعاله، كان من واجب الرسالة أن يحذر كل رسول أمته من هذه العلامة، ليكون هذا التحذير أهم مقتضيات هذا الفرقان.
كما قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ما من نبي إلا وقد أنذر أمته الأعور الكذاب، ألا إنه أعور، وإن
(1) مجمع الزوائد للهيثمي.