قريش بعد دعوة رسول الله عليهم [1] ، والثاني: الدخان الذي سيكون في آخر الزمان.
ولكل من التفسيرين علاقة بالدجال، ذلك أن الجدب والجوع والعذاب بشكل عام إنما مقصد الدجال منه هو نقيض مقصد الله عز وجل، فمقصد الله سبحانه من العذاب هو إلجاء عباده إلى التضرع إليه والإيمان به، وليس كما يفعل الدجال حين يجعل من لا يؤمن به، وقدر الله في عذاب الناس يبدأ بحرمانهم من نعمة التذكر والتدبر بعد أن جاءهم الرسول المبين:
{أَنَّى لَهُمُ الذِّكْرَى وَقَدْ جَاءهُمْ رَسُولٌ مُّبِينٌ} (الدخان:13) .
ثم لا يكون العذاب إلا بعد وقوع أشد موجباته وهو هنا التولي عن الرسول المبين واتهامه بأنه معلم مجنون:
{ثُمَّ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَقَالُوا مُعَلَّمٌ مَّجْنُونٌ} (الدخان:14) .
ومع ذلك يكشف الله عنهم العذاب وهو سبحانه يعلم أنهم عائدون إلى الكفر فكشف الله عنهم العذاب قليلا حتى تكون البطشة الكبرى.
{إِنَّا كَاشِفُو الْعَذَابِ قَلِيلًا إِنَّكُمْ عَائِدُونَ} (الدخان:15) .
وهذه الآية تظهر حقيقة هامة من حقائق التقدير الإلهي وهي الإحكام الذي يبلغ كشف العذاب مع علم الله بأنهم عائدون وأن كشف العذاب «قليلا» ، وهي تفيد معنى التقدير الزمني المحكم الذي يمتد لتكون البطشة الكبرى في يوم مقدر.
(1) إن قريشًا لما أبطأت عن الإسلام واستعصت على رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دعا عليهم بسنين كسني يوسف, فأصابهم من الجهد والجوع حتى أكلوا العظام والميتة، وجعلوا يرفعون أبصارهم إلى السماء فلا يرون إلا الدخان، وفي رواية فجعل الرجل ينظر إلى السماء فيرى ما بينه وبينها كهيئة الدخان من الجهد، قال الله تعالى: {فارتقب يوم تأتي السماء بدخان مبين * يغشى الناس هذا عذاب أليم} فأتى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فقيل يا رسول الله استسق الله لمضر فإنها قد هلكت، فاستسقى - صلى الله عليه وسلم - لهم فسقوا فنزلت «إنا كاشفو العذاب قليلًا إنكم عائدون» .