فهرس الكتاب

الصفحة 171 من 252

والفصل بين الغيب والشهادة هو الأساس القدري الكوني الذي جعله الله بين الدنيا والآخرة، والاستثناء من هذه القاعدة لا يكون إلا بمعجزة محدودة مثلما كان من رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة بدر: «فلما كان ببدر اليوم الثالث أمر براحلته فشد رحلها، ثم مشي واتبعه أصحابه، وقالوا: ما نرى ينطلق إلا لبعض حاجته حتى قام على شفة الركي فجعل ينادي بأسمائهم وأسماء آبائهم وقد جيفوا: «يا أبا جهل ابن هشام ويا عتبة بن ربيعة، ويا شيبة بن ربيعة، ويا وليد بن عتبة» ، أيسركم أنكم أطعتم الله ورسوله؟ فإنا قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقًًا، فهل وجدتم ما وعدكم ربكم حقًا؟ قال: فسمع عمر قول النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال: يا رسول الله! ما تكلم من أجساد لا أرواح لها، وهل يسمعون؟ بقول الله عز وجل: {إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى} (النمل:80) فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: «والذي نفس محمد بيده ما أنتم بأسمع لما أقول منهم والله إنهم الآن ليعلمون أن الذي كنت أقول لهم لهو الحق» وفي رواية: «إنهم الآن ليسمعون غير أنهم لا يستطيعون أن يردوا علِىَّ شيئًا» [1] .

ويظهر الاستثناء المحدود من أمرين: الأول: أن ذلك لا يكون إلا للرسول - صلى الله عليه وسلم -، والثاني: أنهم لا يستطيعون الرد عليه، ولذلك قال قتادة: أحياهم الله «له» حتى أسمعهم قوله، توبيخًا وتصغيرًا، ونقمة، وحسرة وندما».

فيتقابل الوعد الحق من الله سبحانه على لسان نبيه - صلى الله عليه وسلم -، مقابل الوعد الباطل الكاذب من الدجال في صورة الشياطين بأن يموتوا على غير الإسلام كما في الحديث.

وكل ما سبق من الآيات يعالج قضية القدر، ويتمم هذه المعالجة قضية فرعون، لتكون هذه المعالجة هي مناسبة الآية: وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ

(1) مجموع ألفاظه عند البخاري ومسلم وأحمد.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت