فهرس الكتاب
من الكفر: بالتوبيخ والخطم؛ «حتى إن الرجل ليتعوذ منها بالصلاة، فتأتيه من خلفه تقول: يا فلان، الآن تصلي؟! فيقبل عليها فتسمه في وجهه، ثم تنطلق .. » [1] ، وعلى ذلك تكون الدابة مرتبطة في دلالتها بما بلغه الإنسان من التدني، والانحطاط.
ومن هنا كان من الضروري إثبات المقام الأصلي للإنسان؛ لأن إثبات هذا المقام هو نفسه الذي يُثبت معنى الانحطاط الذي بلغه هذا الإنسان، حتى بلغ أن يُخاطب من خلال الدابة، وعندما يُذكر المقام الأصلي للإنسان يُذكر «داوود» كنموذج لهذا المقام، بدليل حديث الوبيص الوارد في سنن الترمذي، عَنْ أَبِى هُرَيْرَةَ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم: «لَمَّا خَلَقَ اللَّهُ آدَمَ مَسَحَ ظَهْرَهُ، فَسَقَطَ مِنْ ظَهْرِهِ كُلُّ نَسَمَةٍ هُوَ خَالِقُهَا مِنْ ذُرِّيَّتِهِ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ، وَجَعَلَ بَيْنَ عيني كُلِّ إِنْسَانٍ مِنْهُمْ وَبِيصًا مِنْ نُورٍ، ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى آدَمَ، فَقَالَ: أي رَبِّ، مَنْ هَؤُلاَءِ؟ قَالَ: هَؤُلاَءِ ذُرِّيَّتُكَ، فَرَأَى رَجُلًا مِنْهُمْ فَأَعْجَبَهُ وَبِيصُ مَا بَيْنَ عَيْنَيْهِ، فَقَالَ: أي رَبِّ، مَنْ هَذَا؟ فَقَالَ: هَذَا رَجُلٌ مِنْ آخِرِ الأُمَمِ مِنْ ذُرِّيَّتِكَ يُقَالُ لَهُ: دَاوُدُ .. » [2] .
ومقام داود بين ذرية آدم هو بُعد واحد من أبعاد هذا المقام؛ ولكن لمقام داود في إطار قضية الدابة أبعادًا أخرى منها: أن ذكر فضل داود بالنسبة للأنبياء جاء مرتبطًا بالزبور وهو كتاب الأقدار الكونية الغيبية حتى قيام الساعة، ودليل ذلك قول الله عز وجل: {وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ النَّبِيِّينَ عَلَى بَعْضٍ وَآتَيْنَا دَاوُودَ زَبُورًا (55) } (الإسراء:55) ، وفيه يقول الطبري: «يقول تعالى ذكره لنبيه - صلى الله عليه وسلم: وربك يا محمد
(1) انظر: تفسير ابن أبي حاتم (51/ 88) ، مسند الطيالسي (2/ 237) .
(2) سنن الترمذي (11/ 330) قَالَ أَبُو عِيسَى: هَذَا حَدِيثٌ حَسَنٌ صَحِيحٌ.