ولعلنا نلاحظ في قوله تعالى: {رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا} ذكر حرمة البلدة «مكة» ، والتي وردت تفصيلا في الحديث: «ثم بينما الناس في أعظم المساجد على الله حرمة - خيرها وأكرمها على الله- المسجد الحرام لم يرعهم إلا وهي ترغو بين الركن والمقام، تنفض رأسها عن التراب» [1] .
ومما يثبت دلالة الحرمة -الواردة في الآية والحديث- على المناسبة بين آيات السورة،.
هو ما يثبت غلبة هذه الحرمة على شدة العذاب الذي وقع بقوم ثمود بعد قتلهم الناقة، ذلك أن من بين قوم ثمود المستحقين للعذاب من كان في حرم مكة ولم يقع عليه العذاب إلا بعد خروجه منها، مما يؤكد أن شدة عذاب قوم ثمود لم تطغَ على حرمة مكة، وهي قصة أبي رغال التي رواها ابن إسحاق: «أن النبي - صلى الله عليه وسلم - لما خرج إلى الطائف مر بقبر أبي رغال فقال: إن هذا قبر أبي رغال وهو أبو ثقيف، وكان من ثمود وكان بهذا الحرم يدفع عنه، فلما خرج منه أصابته النقمة التي أصابت قومه بهذا المكان، فدفن فيه» .
وفي رواية: «كان في حرم الله، فمنعه حرم الله عذابَ الله، فلما خرج أصابه ما أصاب قومه» ، وقيل: إن أبا رغال كان دليل أبرهة في طريقه لهدم الكعبة، قال الحافظ ابن كثير: والجمع بينهما أن أبا رغال المتأخر وافق اسمه اسم جده الأعلى ورجمه الناس كما رجموا قبر الأول أيضا.
وفي كنز العمال: «لا تسألوا نبيكم الآيات، فقد سألها قوم صالح فكانت الناقة ترد من هذا الفج، وتصدر من هذا الفج: {فعتوا عن أمر ربهم فعقروها} فأخذتهم الصيحة، فأهمد الله من تحت أديم السماء منهم، إلا رجلا واحدا كان في حرم الله تعالى، قالوا: من
(1) المصدر السابق