فهرس الكتاب
- 📄
- 📄
الرّحمة، ورأى جبلا من جبالها مكسوّا نورا، لا يخلو من نظر الربّ إليه بالرّحمة، في سفحه أشجار مثمرة، فروعها في الجنّة، تسقى بماء الرّحمة. فدعا آدم في النيل بالبركة، ودعا في مصر بالرّحمة والبرّ والتقوى، وبارك على نيلها وجبلها سبع مرّات، وقال: يا أيّها الجبل المرحوم، سفحك جنّة، وتربتك مسك، يدفن فيها غراس الجنّة، أرض حافظة مطيعة رحيمة، لا خلتك يا مصر بركة، ولا زال بك حفظ، ولا زال منك ملك وعزّ. يا أرض فيك الخباء والكنوز، ولك البرّ والثروة، سال نهرك عسلا، كثّر الله زرعك، ودرّ ضرعك، وزكّى نباتك، وعظمت بركتك وخصبت؛ ولا زال فيك الخير ما لم تتجبّري وتتكبّري، أو تخوني وتسخري، فإذا فعلت ذلك عراك شرّ، ثمّ يعود خيرك.
فكان آدم أوّل من دعا لمصر بالرحمة والخصب والبركة والرأفة.
وأورد غيره عن عبد الله بن سلام، قال: مصر أمّ البركات، تعمّ بركتها من حجّ بيت الله الحرام من أهل المشرق والمغرب، وإنّ الله يوحي إلى نيلها في كلّ عام مرّتين؛ مرة عند جريانه، فيوحي إليه: إنّ الله يأمرك أن تجري كما تؤمر، ثم يوحي إليه ثانية: إنّ الله يأمرك أن تفيض حميدا، فيفيض. وإن بلد مصر بلد معافاة، وأهلها أهل عافية، وهي آمنة ممّن يقصدها بسوء، من أرادها بسوء كبّه الله على وجهه، ونهرها نهر العسل، ومادّته من الجنّة، وكفى بالعسل طعاما وشرابا.
وأورد عن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه، أنّه لما بعث (1) محمد بن أبي بكر الصديق إلى مصر، قال: إني وجّهتك إلى فردوس الدنيا.
وعن سعيد بن هلال، قال: اسم مصر في الكتب السّالفة أمّ البلاد. وذكر أنّها مصوّرة في كتب الأوائل، وسائر المدن مادّة أيديها إليها تستطعمها.
وعن كعب قال: في التوراة مكتوب: مصر خزائن الأرض كلّها، فمن أراد بها سوءا قصمه الله.
وعن كعب قال: لولا رغبتي في بيت المقدس ما سكنت إلّا مصر. قيل: ولم؟ قال: لأنّها بلدة معافاة من الفتن، ومن أرادها بسوء كبّه الله على وجهه؛ وهو بلد مبارك لأهله فيه.
(1) أرسل عليّ بن أبي طالب محمد بن أبي بكر واليا على مصر سنة 36 هبعد عزله قيس بن سعد. [انظر الكامل في التاريخ لابن الأثير: 3/ 139] .