فهرس الكتاب

الصفحة 548 من 845

خصوصا قاضي القضاة عزّ الدين بن جماعة، فإنّه جهد كلّ الجهد في صرف السلطان عنه، فلم يفعل؛ وما زال بهم حتّى بايعوه.

ثمّ إنّ الله فجع النّاصر بموت أعزّ أولاده الأمير أنوك، فكان ذلك أوّل عقوباته ولم يمتّع بالملك بعد وفاة المستكفي، فأقام بعده سنة وأياما، وأهلكه الله (1) .

وقد قيل: إنّ وفاة المستكفي كانت سنة إحدى وأربعين، فعلى هذا لم يتمّ الحول على الناصر، حتّى مات بعد ثلاثة أشهر؛ سنّة الله فيمن مسّ أحدا من الخلفاء بسوء، فإنّ الله يقصمه عاجلا، وما يدّخره له في الآخرة من العذاب أشدّ.

ثم إنّ الله انتقم من النّاصر في أولاده فسلّط عليهم الخلع والحبس والتّشريد في البلاد والقتل، فجميع من تولّى الملك من ذريّته؛ إمّا أن يخلع عاجلا، وإمّا أن يقتل؛ فأوّل ولد تولّى بعده، عوجل بخلعه (2) ونفيه إلى قوص، حيث كان سيّر الخليفة، ثمّ قتل بها. وغالب من تولّى من ذريته لم تطل مدّته كما سيأتي.

وقد أقام النّاصر في السلطنة نيّفا وأربعين سنة، وتولّى من ذريّته اثنا عشر نفرا، لم يتمّوا هذه المدّة، بل عجّلوا واحدا في إثر واحد، فما أشبّههم إلا بملوك الفرس حيث قال الكاهن لكسرى لمّا سقطت من إيوانه أربع عشرة شرفة ليلة ولد النبي صلى الله عليه وسلم: يملك منكم أربعة عشر ملكا؛ ثمّ يذهب الملك منكم، فقال كسرى: إلى أن يمضي أربعة عشر ملكا تكون أمور وأمور! فانقرضوا في أقصر مدّة، وكان آخرهم في زمن عثمان بن عفّان رضي الله عنه.

ثمّ إنّ الله نزع الملك من ولد قلاوون، وأعطاه بعض مماليكهم، ولم يعد إليهم إلى وقتنا هذا، وبعض ذرّيته أحياء إلى الآن في أسواء حال، دينا ودنيا. ومن تأمّل بدائع صنع الله رأى العجب العجاب؛ ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون، وإنّما يتذكر أولو الألباب!

ولما حضر الناصر الوفاة ندم على ما فعل من مبايعة إبراهيم، فأوصى الأمراء بردّ العهد إلى وليّ عهد المستكفي، فلمّا تسلطن ولده أبو بكر المنصور (3) عقد مجلسا يوم

(1) مات ليلة الخميس حادي عشر ذي الحجة سنة 741 ه‍. [الخطط المقريزية: 2/ 239] .

(2) خلع بعد تسعة وخمسين يوما سنة 742. [الخطط المقريزية: 2/ 239] .

(3) تسلطن الملك المنصور سيف الدين أبو بكر سنة 741 ه‍. [الخطط المقريزية: 2/ 239] .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت