فهرس الكتاب

الصفحة 656 من 845

منصب سناء سما فأعجز النجم صعوده، وانتخبك من بيت عزّ غدت دعائمه لذات السمهريّة وظلاله صفحات القبض المشرفيّة، وحشاياه صهوات الجرد الأعوجيّة.

ولقد كان وقع التحامل على الحضرة ببعدك عن فنائها، وحسدت على قربك منها لما يعلم من متابعتك لها، وإغراقك في ولائها، وحاد بك عن موضعك من الاختصاص بها من قصد اهتضامها، وأفسد لسوء عقيدته نظامها، وصلمها على أنّك لم تخل بنصرتها على بعد الدار، بل نصرت الحقّ حيث كان ودرت معه حيث دار. وقد كان أمير المؤمنين حين أبهمت الأمور، وحرجت الصدور، وحارت الألباب، واستشرف للارتياب، يرجو من الله أن يفجأه منك بالفرج القريب، ويصمى أعداءه من عزمك بالسّهم المصيب، واستجاب الله دعاءه فيك بما ماثل دعاء جدّه رسول الله صلى الله عليه وسلم وضاهى، وحصل في ذلك على معنى قوله تعالى: (قَدْ نَرى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّماءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضاها) [البقرة: 144] .

ولمّا أذهب الله بك أيها السيّد الأجلّ الملك الصالح عن دولة أمير المؤمنين غايات العيّ، وأدرك بها ثأر أولياء الله من ذوي المباينة والبغي، وأحسن له الصنيع بمؤازرتك، وبلّغه مظافرتك ومكانفتك لما أحاط الخبرة بأرجائه، وفقّه من التعويل عليك لما كان غاية رجائه، فقلّدك من وزارته، وفوّض إليك تدبير مملكته وكفالته، وجعلك إمارة جيوشه الميامين، وكفالة قضاة المسلمين، وهداية دعاة المؤمنين، وتدبير ما هو مردود إليهم من الصلاة والخطابة وإرشاد الأولياء المستجيبين، والنظر في كلّ ما أغدقه الله من أمور أوليائه أجمعين، وجنوده وعساكره المؤيّدين، وكافّة رعاياه بالحضرة وجميع أعمال المملكة دانيها وقاصيها، وسائر أحوال الدولة باديها وخافيها، وكلّ ما تنفذ فيه أوامره، تبوح بشعاره منابره. وردّ إليك تدبير ما وراء سرير خلافته، وسياسة ما تحتوي عليه أقطار مملكته، وألقى إليك مقاليد البسط والقبض، والرفع والخفض، والإبرام والنقض، والقطع والوصل، والولاية والعزل، والتصرّف والصرف، والإمضاء والوقف، والغضّ والتنبيه، والإخمال والتنويه، وجميع ما يقتضيه صواب التدبير من الإنعام والإرغام، وما توجبه أحكام السياسة من الإباء والإتمام، تيمّنا بما يحقّق مبالغتك في متابعته، واجتهادك في إعلامنا ودعوته، وعلما بأنّ التوفيق لا يعدو وراك، والمسعود لا يفارق أنحاك.

فتقلّد ما قلّدك أمير المؤمنين من هذه الرتب العالية، والمنزلة التي قرّب عليك تناولها أعمالك الزاكية، والمنصب الذي تحكم فيه بأمر أمير المؤمنين وتنطق بلسانه، وتبطش بيده وتحبّ وتبغض بقلبه وجنانه، جاريا على رسمك في تقوى الله وخشيته، واتّباع مرضاته واستشعار رجعته، ومنتجزا ما وعد به في كتابه، إليه ينتهي الحكم

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت