النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إذا قال الإمام:(غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قولوا: آمين، فإن الملائكة تقول: آمين، وإن الإمام يقول: آمين، فمن وافق تأمنيه تأمين الملائكة غفر له ما تقدم من ذنبه) [1] .
وقول النبي - صلى الله عليه وسلم - في اللفظ الآخر: (إذا أمن الإمام) يعني إذا شرع في التأمين ورفع صوته به لأنه قد علق تأمين المأموم بتأمين الإمام، فلو لم يجهر به لم يعلق عليه [2] .
الدليل الثالث: عن وائل بن حجر - رضي الله عنه - قال: صلى بنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فلما قرأ: (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) قال: (آمين) وأخفى بها صوته) الحديث [3] .
وجه الدلالة: نص الصحابي - رضي الله عنه - على أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يخفيها ويخفض بها صوته ولم يرفع صوته بالتامين.
المناقشة: حديث وائل هذا لا يصلح للاستدلال به على الإسرار بالتأمين، فإن شعبة رحمه الله قد تفرد بهذا اللفظ (وأخفى بها صوته) و (وخفض بها صوته) ، بل الحديث مضطرب من جهة الإسناد والمتن.
أما اضطرابه في الإسناد فظاهر لمن تأمل في طرق الحديث.
وأما اضطراب المتن فقد قال شعبة مرة: (رافعًا صوته) كما عند البيهقي، وقال مرة: (أخفى بها صوته) وقال مرة (خفض بها صوته) وهذه الألفاظ متباينة المفاهيم، متخالفة المعاني.
وكذلك: لو سلمنا بأنه لا اضطراب فيه وأن شعبة جاء به على الجادة فهي لفظة شاذة، قد تفرد بها شعبة عن شيخه سلمة بن كهيل [4] ، ولم يتابعه عليها أحد لا ثقة
ولا ضعيف، بل خالف فيه ثقتين وضعيفًا من أصحاب سلمة بن كهيل [5] ، وهم:
(1) رواه الإمام أحمد في المسند، مسند أبي هريرة - رضي الله عنه - حديث (7187) (12/ 112) ، قال محقق المسند: إسناده صحيح على شرط الشيخين (12/ 112) ، هامش (2) .
(2) انظر: المغني لابن قدامة (2/ 161 - 162) ، مرعاة المفاتيح للمباركفوري (3/ 155) .
(3) رواه الإمام أحمد في المسند مسند وائل بن حجر حديث (18854) (31/ 146) وهو حديث صحيح دون قوله (وأخفى به صوته) فقد أخطأ فيها شعبة كما في مناقشة الاستدلال به.
(4) سلمة بن كهيل بن حصين الحضرمي، الإمام الثبت الحافظ أبو يحيى الكوفي، قال أحمد بن حنبل: كان متقنا للحديث، روى له الجماعة، مات سنة اثنتين وعشرين ومائة. سير أعلام النبلاء (5/ 298) تهذيب التهذيب (4/ 155) الوافي بالوفيات (15/ 200) .
(5) انظر: تحفة الأحوذي شرح سنن الترمذي (2/ 67) .