فكما ترى في هذا الأثر أن الفتح على الإمام يعتبر من الأمور التي اتفق عليها صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، ولا يتفقون إلا على ما هو مشروع لا كراهة فيه، بل قد أقرهم عليه النبي - صلى الله عليه وسلم -، وهو عمل الخليفة الراشد عثمان بن عفان - رضي الله عنه -، كما في أثر عبيدة بن ربيعة الذي سبق ذكره [1] ، وقد قال علي بن أبي طالب - رضي الله عنه: (إذا استطعمكم الإمام فأطعموه) [2] ، وقال نافع رحمه الله: كنت ألقن ابن عمر في الصلاة، فلا يقول شيئًا، وقال: صلى ابن عمر - رضي الله عنه - المغرب، فلما قرأ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) جعل يقرأ بسم الله الرحمن الرحيم مرارًا يرددها، فقلت: (إذا زلزلت) فقراها، فلما فرغ لم يعب ذلك عليَّ، وقال ثابت البناني [3] رحمه الله: (كان أنس - رضي الله عنه - إذا قام يصلي قام خلفه غلام معه مصحف، فإذا تعايا في شيء فتح عليه) ، وعن أبي جعفر القارئ [4] قال: (رأيت أبا هريرة - رضي الله عنه - يفتح على مروان في الصلاة) [5] .
مناقشة أدلة الجمهور: لم أقف لأهل القول الثاني على معارضة لأدلة الجمهور أو مناقشة إلا ما كان من أبي محمد بن حزم رحمه الله حيث قال عن حديث المسور بن يزيد الأسدي: (فإن هذا موافق لمعهود الأصل من إباحة القراءة في الصلاة، وبيقين ندري أن نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - أن يقرأ خلفه إلا بأم القرآن فناسخ لذلك ومانع منه، ولا يجوز العود إلى حالٍ منسوخة بدعوى كاذبة في عوديها) [6] .
(1) سبق ذكره (ص 170) .
(2) رواه الدارقطني في السنن كتاب الصلاة باب تلقين المأموم لإمامه إذا وقف في قراءته أثر (1491) (2/ 255) وصححه الحافظ في تلخيص الحبير (1/ 513) .
(3) ثابت بن أسلم أبو محمد البناني مولاهم البصري، الإمام القدوة وبنانة هم بنو سعد بن لؤي، ولد في خلافة معاوية، كان من أئمة العلم والعمل، قال أبو حاتم: أثبت أصحاب أنس بن مالك: الزهري ثم ثابت ثم قتادة، مات سنة سبع وعشرين ومائة.
الجرح والتعديل (2/ 449) سير أعلام النبلاء (5/ 220) .
(4) يزيد بن القعقاع المدني، تابعي مشهور كبير القدر، أحد الأئمة العشرة في حروف القراءات، لما غسل أبو جعفر نظروا ما بين نحره إلى فؤاده كورقة المصحف، فما شك من حضره أنه نور القرآن، مات سنة سبع وعشرين ومائة.
سير أعلام النبلاء (5/ 287) غاية النهاية (2/ 382) الأعلام للزركلي (8/ 186) .
(5) انظر في هذه الآثار: المصنف لابن أبي شيبة (3/ 530) ، السنن الكبرى للبيهقي (3/ 212) .
(6) المحلى بالآثار لابن حزم (4/ 3) .