الرد: دعوى النسخ فيما ذكره ابن حزم رحمه الله لا يسلم لها لأمور منها:
أولًا: أن نهي النبي - صلى الله عليه وسلم - عن القراءة خلفه بشيء من القرآن هو مع قراءته عليه الصلاة والسلام حتى لا ينازع القراءة، ففي الحديث عن عبادة - رضي الله عنه - قال: (صلى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الصبح فثقُلت عليه القراءة) [1] ،وفي رواية: (فالتبست عليه القراءة) [2] .
وأما الفتح على الإمام فهو في حالة خاصة حيث يتردد الإمام في قراءته أو يرتج عليه ويقف، فلا تعارض هنا بين الفتح على الإمام والنهي عن القراءة خلفه، فالفتح عليه من مصلحة الصلاة لا محذور فيه والقراءة خلفه أثناء قراءته من التلبيس عليه والإثقال لقراءته لا مصلحة فيها، فإذا لم يكن ثَّمَ تعارض بين الدليلين، فلا يصار للنسخ.
ثانيًا: أن ادعاء النسخ في الأدلة الشرعية يوجب رفع حكم دليل من المتعارضين وإيقاف العمل به، فلا يصار إليه إلا بعد معرفة السابق من اللاحق، أي بعد العلم بتاريخ المتأخر من المتقدم ولا سبيل إلى العلم به هنا فلا يصار إلى النسخ كيف وقد عُرِفَ التوجيه الصحيح لما يزعم أنهما متعارضان.
بل كون الفتح على الإمام متأخرًا عن النهي عن القراءة خلف الإمام أولى بالقبول من كونه سابقًا على النهي، وذلك: بدلالة فعل جماهير الصحابة رضي الله عنهم حيث كان الفتح على الأئمة ظاهرًا فيهم بلا نكير، وحسبنا هنا أن ابن حزم رحمه الله لم يوافقه أحد من الأئمة في دعوى النسخ هذه.
واستدل أصحاب القول الثاني ممن قال بكراهة فتح المأموم على إمامه بعدة أدلة منها:
(1) رواه الترمذي في السنن كتاب أبواب الصلاة باب ما جاء في القراءة خلف الإمام حديث (311) وقال: حديث عباده حديث حسن (2/ 116) ورواه أبو داود في السنن كتاب تفريع أبواب الصلاة باب من ترك القراءة في صلاته حديث (823) وحسنه ابن حجر في نتائج الأفكار في تخريج أحاديث الأذكار (1/ 426) ، وكذا الألباني في أصل صفة الصلاة (1/ 328) .
(2) رواها أبو داود في السنن كتاب تفريع أبواب الصلاة باب من ترك القراءة في صلاته حديث (824) .