الجهة تبين كون هذا الحديث له حكم الرفع لأن عمر لا يتوعدهما بالجلد إلا على مخالفة أمر توقيفي) [1] .
المناقشة: يمكن مناقشة هذا الاستدلال بأنه خاص بمسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - فلا ترفع فيه الأصوات دون غيره.
الرد: دعوى الخصوصية تفتقر إلى دليل، ولا دليل هنا على تخصيص مسجد رسول الله - صلى الله عليه وسلم - دون غيره بالنهي عن رفع الأصوات، فيبقى الاستدلال على عمومه في النهي عن رفع الصوت في المساجد كلها.
الدليل الرابع: عن البياضي - رضي الله عنه - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج على الناس وهم يصلون وقد علت أصواتهم بالقراءة فقال: (إن المصلي يناجي ربه فلينظر بم يناجيه، ولا يجهر بعضكم على بعض بالقرآن) [2] .
وجه الدلالة: قال ابن عبد البر رحمه الله: (وإذا لم يجز للتالي المصلي رفع صوته لئلا يغلط ويخلط على مصل إلى جنبه، فالحديث في المسجد مما يخلط على المصلي أولى بذلك وألزم وأمنع وأحرم والله أعلم، وإذا نهي المسلم عن أذية أخيه المسلم في عمل البر وتلاوة الكتاب فأذاه في غير ذلك أشد تحريمًا) [3] ، قال الباجي رحمه الله: (ولأن في ذلك استخفافًا بالمساجد، وإطراحًا لتوقيرها وتنزيهها الواجب، وإفرادها لما بنيت له من ذكر الله تعالى، قال الله العظيم: {وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا} ) . [4]
الدليل الخامس: ما ورد عن أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - من آثار تنهى عن رفع الصوت في المساجد.
(1) فتح الباري (1/ 561) .
(2) سبق تخريجه (ص 105) .
(3) التمهيد لما في الموطأ من المعاني والأسانيد (23/ 319) .
(4) المنتقى شرح الموطأ (2/ 43) .