الدليل الثالث: أن عمر بن الخطاب - رضي الله عنه - بنى رحبة في ناحية المسجد، وقال: (من كان يريد أن يلغط أو ينشد شعرًا، أو يرفع صوته فليخرج إلى هذه الرحبة) [1] .
بل حينما مر بحسان بن ثابت وهو ينشد الشعر في المسجد أنكر عليه فعله - كما سبق ذكره -ففي الصحيحين: (فلحظ إليه شزرًا) [2] ، وفي رواية للطبراني التصريح بالإنكار، فعن ابن المسيب قال: أنشد حسان في المسجد، فمر به عمر - رضي الله عنه - فلحظه، فقال: أفي المسجد؟ أفي المسجد؟ [3] .
وجه الدلالة: هذا يدل على أن عمر - رضي الله عنه - كان يكره إنشاد الشعر في المسجد، ولذلك بنى البطيحاء خارجه، قال القرطبي رحمه الله: (فلحظ إليه أي أومأ إليه بعينه؛ أن اسكت، وهذا يدل على أن عمر - رضي الله عنه - كان يكره إنشاد الشعر في المسجد) [4] .
المناقشة: يمكن حمل هذا الأثر - إن صح - على كراهيته للإكثار من الشعر في المسجد، أو خوفه من انفتاح الباب والتوسع في حكاية أشعار الجاهلية والمبطلين.
والأحاديث المصرحة بالجواز مقدمة عليه، كما سبق تقريره.
(1) رواه الإمام مالك بن أنس في الموطأ بلاغًا برقم (484) ، في كتاب الصلاة العمل في جامع الصلاة (1/ 248) فهو منقطع الإسناد، وقد وصله ابن الأعرابي في معجمه عن مالك عن أبي النضر عن سالم بن عبدالله أن عمر ... وذكره أثر (681) (1/ 352) ووصله أبو مصعب الزهري في روايته لموطأ مالك أثر (581) (1/ 226) .
(2) النظر الشزر يتضمن معنى الإنكار والكراهية لما يرى، قال صريع الغواني مسلم بن الوليد الأنصاري:
جعلتِ علاماتِ المودةِ بيننا ... × ... مصائدُ لحظٍ هُنَّ أخْفَى من السِّحْر
فأعرفُ منها الوصْلَ في لينِ طرفها ... × ... وأعرف منها الهجر في النظر الشَّزْرِ
انظر في هذا: العقد الفريد لابن عبدربه (2/ 204) .
(3) المعجم الكبير حديث (3585) (4/ 41) .
(4) المفهم لما أشكل من تلخيص كتاب مسلم (6/ 418) وانظر: منح الجليل شرح على مختصر العلامة خليل (8/ 91) .