الدليل الثالث: عن أبي مالك [1] الأشعري - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: (أربع في أمتي من أمر الجاهلية، لا يتركونهن: الفخر في الأحساب، والطعن في الأنساب، والاستسقاء بالنجوم، والنياحة، وقال: النائحة [2] إذا لم تتب قبل موتها، تقام يوم القيامة وعليها سربال من قطران، ودرع من جرب) [3] .
وجه الدلالة: فقد ذمّ النبي - صلى الله عليه وسلم - هذه الخصال بوصفها بأنها من أمر الجاهلية، فما كان من أمر الجاهلية فهو محرم ولاشك، ومن جملته النياحة.
قال ابن تيمية رحمه الله: (وأخبر - صلى الله عليه وسلم - أن بعض أمر الجاهلية لا يتركه الناس كلهم ذمًا لمن لم يتركه، وهذا كله يقتضي أن ما كان من أمر الجاهلية وفعلهم فهو مذموم في دين الإسلام، وإلا لم يكن في إضافة هذه المنكرات إلى الجاهلية ذم لها، ومعلوم أن إضافتها إلى الجاهلية خرج مخرج الذم ... ) [4] .
الدليل الرابع: عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: (لما مات إبراهيم بن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - صاح أسامة بن زيد، فقال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ليس هذا مني، وليس لصائحٍ حق، القلب يحزن والعين تدمع ولا يغضب الرب) [5] .
وجه الدلالة: براءة النبي - صلى الله عليه وسلم - من فاعل هذا المنكر، وباتفاق العلماء أن قول النبي - صلى الله عليه وسلم - (ليس مني) أو (ليس منا) من ألفاظ الوعيد المترتبة على ارتكاب كبائر الذنوب.
(1) أبومالك الأشعري قيل اسمه الحارث بن الحارث وقيل عبيد الله وقيل عمرو وقيل كعب بن عاصم، له صحبة، وعداده في أهل الشام، وقيل: سكن مصر، وكان من أصحاب السقيفة.
الاستيعاب (3/ 1321) أسد الغابة (4/ 454) تهذيب التهذيب (12/ 218) .
(2) وإنما خص النائحة؛ لأن النياحة غالبًا في النساء لضعفهن، وإلا فالرجال مثلهن إذا ناحوا على الميت. انظر: الشرح الممتع للعثيمين (5/ 394) .
(3) رواه مسلم في صحيحه كتاب الجنائز باب التشديد في النياحة، حديث (934) (2/ 644) .
(4) اقتضاء الصراط المستقيم (1/ 209) .
(5) رواه ابن حبان في صحيحه كتاب الجنائز باب ذكر الخبر الدال على أن من صرح بما لا يرضي الله عند مصيبة يمتحن بها لا يكون له عليها أجر حديث (3160) ، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان (7/ 431) ، ورواه الحاكم في المستدرك كتاب الجنائز، حديث (1411) ، (1/ 533) . وحسن إسناده الألباني في أحكام الجنائز (ص 40) .