فإني سمعت رسول الله - صلى الله عليه وسلم - ينهى عن النعي) [1] ، وعن أبي مسعود - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: (إياكم والنعي، فإن النعي من عمل الجاهلية) [2] .
وجه الدلالة: التصريح بالنهي عن النعي، والتحذير منه، قال ابن بطال رحمه الله: (وإنما الذي نهي عنه - صلى الله عليه وسلم - فهو نعي الجاهلية وأفعالها) [3] .
الدليل الثاني: من المعقول: أن هذا تشبه بأهل الجاهلية في صنيعهم، حيث كانوا يرسلون من يعلم بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق، ويبعثون بذلك إلى القبائل، ففي صحيح البخاري رحمه الله في قصة مقتل أبي رافع اليهودي، قال الصحابي الجليل عبد الله بن أنيس - رضي الله عنه: (فقلت: انطلقوا فبشروا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، فإني لا أبرح حتى أسمع الناعية، فلما كان في وجه الصبح صعد الناعية، فقال: أنعى أبا رافع) [4] ، وفي رواية: (حتى سمعت نعايا أبا رافع) [5] ، قال الصنعاني رحمه الله تعالى: (وقيل المحرم ما كانت تفعله الجاهلية، كانوا يرسلون من يعلم بخبر موت الميت على أبواب الدور والأسواق) [6] ، وبهذا نعلم أن نعي الجاهلية على أنحاء وله صور عديدة منها: رفع الصوت بالإعلام بموت الميت ذي الشأن، قال ابن الأثير رحمه الله: (والمشهور في العربية أن العرب كانوا إذا مات منهم شريف أو قتل، بعثوا راكبًا
(1) رواه الترمذي في السنن، كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية النعي، حديث (98) ، وقال: هذا حديث حسن صحيح (3/ 304) ، ورواه ابن ماجه في السنن كتاب ما جاء في الجنائز، باب ما جاء في النهي عن النعي، حديث (1476) (1/ 474) .
(2) رواه الترمذي في السنن كتاب الجنائز، باب ما جاء في كراهية النعي، حديث (984) ، وأورده موقوفًا على ابن مسعود وقال: وهذا أصح من حديث أبي حمزة، وهو حسن غريب (3/ 303) .
(3) شرح صحيح البخاري لابن بطال (3/ 244) .
(4) كتاب المغازي، باب قتل أبي رافع عبدالله بن أبي الحقيق، حديث (4040) ،
(5) كتاب الجهاد والسير باب قتل النائم المشرك، حديث (3022) (2/ 365) .
(6) سبل السلام (2/ 294) .